ثناء عليه ، وأشد إصغاء إليه ، وأحرص على خدمته ، ولعلهم يستفيدون منه ، ويرغبون في العلم ، وهو يظن أن قبولهم له لإخلاصه وصدقه ، وقيامه بحق علمه ، فيحمد الله تعالى على ما يسّر على لسانه من منافع خلقه ، ويرى أن ذلك مكفر لذنوبه ، ولم يتفقد مع نفسه تصحيح النية فيه . وعساه لو وعد بمثل ذلك الثواب في إيثاره الخمول ، والعزلة ، وإخفاء العلم لم يرغب فيه ، لفقده في العزلة ، ولاختفاء لذة القبول وعزة الرئاسة ولعل مثل هذا هو المراد بقول الشيطان : من زعم من بني آدم أنه بعلمه امتنع منى ، فبجهله وقع في حبائلى . وعساه يصنف ويجتهد فيه ، ظانا أنه يجمع علم الله لينتفع به ، وإنما يريد به استطارة اسمه بحسن التصنيف . فلو ادعى مدع تصينفه ، ومحا عنه اسمه ، ونسبه إلى نفسه ، ثقل عليه ذلك ، مع علمه بأن ثواب الاستفادة من التصنيف إنما يرجع إلى المصنف ، والله يعلم بأنه هو المصنف لا من ادعاه . ولعله في تصنيفه لا يخلو من الثناء على نفسه إما صريحا بالدعاوى الطويلة العريضة ، وإما ضمنا بالطعن في غيره ، ليستبين من طعنه في غيره أنه أفضل ممن طعن فيه ، وأعظم منه علما . ولقد كان في غنية عن الطعن فيه ولعله يحكى من الكلام المزيف ما يزيد تزييفه ، فيعزيه إلى قائله ، وما يستحسنه فلعله لا يعزيه إليه ليظن أنه من كلامه ، فينقله بعينه كالسارق له ، أو يغيره أدنى تغيير ، كالذي يسرق قميصا فيتخذه قباء حتى لا يعرف أنه مسروق . ولعله يجتهد في تزيين ألفاظه ، وتسجيعه وتحسين نظمه ، كيلا بنسب إلى الركاكة ، ويرى أن غرضه ترويج الحكمة وتحسينها وتزيينها ، ليكون أقرب إلى نفع الناس ، وعساه غافلا عما روى أن بعض الحكماء وضع ثلاثمائة مصحف في الحكمة ، فأوحى الله إلى نبي زمانه قل له قد ملأت الأرض نفاقا ، وإني لا أقبل من نفاقك شيئا ولعل جماعة من هذا الصنف من المغترين إذا اجتمعوا ، ظن كل واحد بنفسه السلامة عن عيوب القلب وخفاياه ، فلو افترقوا واتبع كل واحد منهم فرقة من أصحابه ، نظر كل واحد إلى كثرة من يتبعه ، وأنه أكثر تبعا أو غيره ، فيفرح إن كان أتباعه أكثر ، وإن علم أن غيره أحق بكثرة الأتباع منه . ثم إذا تفرقوا واشتغلوا بالإفادة تغايروا وتحاسدوا ولعل من يختلف إلى واحد منهم إذا انقطع عنه إلى غيره ، ثقل على قلبه ، ووجد في نفسه نفرة منه ، فبعد ذلك لا يهتز باطنه لإكرامه ، ولا يتشمر لقضاء حوائجه كما كان يتشمر
إحياء علوم الدين — صفحة 102
مساهمون: الغزالي
ص١٠٢