تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
من قبل ، ولا يحرص على الثناء عليه كما أثنى ، مع علمه بأنه مشغول بالاستفادة ، ولعل التحيز منه إلى فئة أخرى كان أنفع له في دينه ، لآفة من الآفات كانت تلحقه في هذه الفئة ، وسلامته عنها في تلك الفئة ، ومع ذلك لا تزول النفرة عن قلبه ولعل واحدا منهم إذا تحركت فيه مبادى الحسد لم يقدر على إظهاره ، فيتعلل بالطعن في دينه وفي ورعه ليحمل غضبه على ذلك ويقول : إنما غضبت لدين الله لا لنفسي . ومهما ذكرت عيوبه بين يديه ربما فرح له ، وإن أثنى عليه ربما ساءه وكرهه . وربما قطب وجهه إذا ذكرت عيوبه ، يظهر أنه كاره لغيبة المسلمين ، وسر قلبه راض به ، ومريد له ، والله مطلع عليه في ذلك فهذا وأمثاله من خفايا القلوب لا يفطن له إلا الأكياس ، ولا يتنزه عنه إلا الأقوياء ولا مطمع فيه لأمثالنا من الضعفاء إلا أن أقل الدرجات أن يعرف الإنسان عيوب نفسه ، ويسوءه ذلك ويكرهه ، ويحرص على إصلاحه . فإذا أراد الله بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه ومن سرته حسنته . وساءته سيئته ، فهو مرجو الحال ، وأمره أقرب من المغرور المزكى لنفسه ، الممتن على الله بعمله وعلمه ، الظان أنه من خيار خلقه ، فنعوذ باللَّه من الغفلة والاغترار ومن المعرفة بخفايا العيوب مع الإهمال . هذا غرور الذين حصلوا العلوم المهمة ، ولكن قصروا في العمل بالعلم ، ولنذكر الآن غرور الذين قنعوا من العلوم بما لم يهمهم وتركوا المهم وهم به مغترون . إما لاستغنائهم عن أصل ذلك العلم ، وإما لاقتصارهم عليه فمنهم فرقة اقتصروا على علم الفتاوى في الحكومات والخصومات ، وتفاصيل المعاملات الدنيوية الجارية بين الخلق لمصالح العباد ، وخصصوا اسم الفقه بها ، وسموه الفقه وعلم المذهب ، وربما ضيعوا مع ذلك الأعمال الظاهرة والباطنة ، فلم يتفقدوا الجوارح ، ولم يخرسوا اللسان عن الغيبة ، ولا البطن عن الحرام ، ولا الرّجل عن المشي إلى السلاطين ، وكذا سائر الجوارح . ولم يخرسوا قلوبهم عن الكبر ، والحسد ، والرياء وسائر المهلكات فهؤلاء مغرورون من وجهين : أحدهما من حيث العمل ، والآخر من حيث العلم أما العمل فقد ذكرنا وجه الغرور فيه ، وأن مثالهم مثال المريض إذا تعلم نسخة الدواء ، واشتغل بتكراره وتعليمه . لا بل مثالهم مثال من به علة البواسير والبرسام وهو مشرف على الهلاك ، ومحتاج إلى تعلم الدواء واستعماله ، فاشتغل بتعلم دواء
إحياء علوم الدين — صفحة 103 | الغزالي