تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
الاستحاضة ، وبتكرار ذلك ليلا ونهارا ، مع علمه بأنه رجل لا يحيض ولا يستحاض ، ولكن يقول . ربما تقع علة الاستحاضة لامرأة وتسألني عن ذلك . وذلك غاية الغرور . فكذلك المتفقه المسكين ، قد يسلط عليه حب الدنيا ، واتباع الشهوات ، والحسد ، والكبر ، والرياء ، وسائر المهلكات الباطنة ، وربما يختطفه الموت قبل التوبة والتلافي ، فيلقى الله وهو عليه غضبان ، فترك ذلك كله وأشتغل بعلم السلم ، والإجارة ، والظهار ، واللعان ، والجراحات ، والديات ، والدعاوي ، والبينات ، وبكتاب الحيض ، وهو لا يحتاج إلى شيء من ذلك قط في عمره لنفسه ، وإذا احتاج غيره كان في المفتين كثرة ، فيشتغل بذلك ويحرص عليه لما فيه من الجاه ، والرئاسة ، والمال ، وقد دهاه الشيطان وما يشعر ، إذ يظن المغرور بنفسه أنه مشغول بفرض دينه ، وليس يدرى أن الاشتغال بفرض الكفاية قبل الفراغ من فرض العين معصية : وهذا لو كانت نيته صحيحة كما قال ، وقد كان قصد بالفقه وجه الله تعالى . فإنه وإن قصد وجه الله فهو باشتغاله به معرض عن فرض عينه في جوارحه وقلبه ، فهذا غروره من حيث العمل وأما غروره من حيث العلم ، فحيث اقتصر على علم الفتاوى ، وظن أنه علم الدين ، وترك علم كتاب الله وسنة رسول الله صلَّى الله عليه وسلم . وربما طعن . في المحدثين ، وقال إنهم نقلة أخبار ، وحملة أسفار لا يفقهون ، وترك أيضا علم تهذيب الأخلاق ، وترك الفقه عن الله تعالى بإدراك جلاله وعظمته ، وهو العلم الذي يورث الخوف ، والهيبة ، والخشوع ، ويحمل على التقوى . فتراه آمنا من الله ، مغترا به ، متكلا على أنه لا بد وأن يرحمه ، فإنه قوام دينه وإنه لو لم يشتغل بالفتاوى لتعطل الحلال والحرام . فقد ترك العلوم التي هي أهم ، وهو غافل مغرور . وسبب غروره ما سمع في الشرع من تعظيم الفقه ، ولم يدر أن ذلك الفقه هو الفقه عن الله ، ومعرفة صفاته المخوفة والمرجوة ، ليستشعر القلب الخوف ويلازم التقوى ، إذ قال تعالى * ( فَلَوْ لا نَفَرَ من كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) * « 1 » والذي يحصل به الإنذار غير هذا العلم . فإن مقصود هذا العلم حفظ الأموال بشروط المعاملات ، وحفظ الأبدان بالأموال وبدفع القتل والجراحات
هامش
« 1 » التوبة : 122
إحياء علوم الدين — صفحة 104 | الغزالي