تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
والمال في طريق الله آلة ، والبدن مركب . وإنما العلم المهم هو معرفة سلوك الطريق ، وقطع عقبات القلب التي هي الصفات المذمومة ، فهي الحجاب بين العبد وبين الله تعالى . وإذا مات ملوثا بتلك الصفات كان محجوبا عن الله . فمثاله في الاقتصار على علم الفقه ، مثال من اقتصر من سلوك طريق الحج على علم خرز الراوية والخف ، ولا شك في أنه لو لم يكن لتعطل الحج ، ولكن المقتصر عليه ليس من الحج في شيء ، ولا بسبيله . وقد ذكرنا شرح ذلك في كتاب العلم . ومن هؤلاء من اقتصر من علم الفقه على الخلافيات ، ولم يهمه إلا تعلم طريق المجادلة ، والإلزام ، وإفحام الخصوم ، ودفع الحق ، لأجل الغلبة والمباهاة ، فهو طول الليل والنهار في التفتيش عن مناقضات أرباب المذاهب ، والتفقد لعيوب الأقران والتلقف لأنواع التسبيبات المؤذية ، وهؤلاء هم سباع الإنس ، طبعهم الإيذاء ، وهمهم السفه ولا يقصدون العلم إلا لضرورة ما يلزمهم لمباهاة الأقران ، فكل علم لا يحتاجون إليه في المباهاة كعلم القلب ، وعلم سلوك الطريق إلى الله تعالى . بمحو الصفات المذمومة ، وتبديلها بالمحمودة ، فإنهم يستحقرونه ، ويسمونه التزويق وكلام الوعاظ . وإنما التحقيق عندهم معرفة تفاصيل العربدة التي تجرى بين المتصارعين في الجدل . وهؤلاء قد جمعوا ما جمعه الذين من قبلهم في علم الفتاوى ، لكن زادوا إذ اشتغلوا بما ليس من فروض الكفايات أيضا ، بل جميع دقائق الجدل في الفقه بدعة لم يعرفها السلف . وأما أدلة الأحكام فيشتمل عليها علم المذهب وهو كتاب الله وسنة رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، وفهم معانيهما . وأما حيل الجدل من الكسر ، والقلب ، وفساد الوضع والتركيب والتعدية ، فإنما أبدعت لإظهار الغلبة والإفحام ، وإقامة سوق الجدل بها . فغرور هؤلاء أشد كثيرا وأقبح من غرور من قبلهم وفرقة أخرى اشتغلوا بعلم الكلام والمجادلة في الأهواء ، والرد على المخالفين ، وتتبع مناقضاتهم ، واستكثروا من معرفة المقالات المختلفة ، واشتغلوا بتعلم الطرق في مناظرة أولئك وإفحامهم ، وافترقوا في ذلك فرقا كثيرة ، واعتقدوا أنه لا يكون لعبد عمل إلا بإيمان ولا يصح إيمان إلا بأن يتعلم جدلهم ، وما سموه أدلة عقائدهم . وظنوا أنه لا أحد أعرف