تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
بل يبقيان كمالا فيه ، ووسيلة إلى القرب من الله تعالى . فانظر كيف انقلب الجاهلون وانكبوا على وجوههم انكباب العميان ، فأقبلوا على طلب كمال القدرة بالجاه والمال ، وهو الكمال الذي لا يسلم ، وإن سلم فلا بقاء له ، وأعرضوا عن كمال الحرية والعلم ، الذي إذا حصل كان أبديا لا انقطاع له . وهؤلاء هم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ، فلا جرم لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ، وهم الذين لم يفهموا قوله تعالى * ( الْمالُ والْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا والْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وخَيْرٌ أَمَلًا ) * « 1 » فالعلم والحرية هي الباقيات الصالحات التي تبقى كمالا في النفس . والمال والجاه هو الذي ينقضي على القرب وهو كما مثله الله تعالى حيث قال * ( إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناه من السَّماءِ فَاخْتَلَطَ به نَباتُ الأَرْضِ ) * « 2 » الآية ، وقال تعالى * ( واضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناه من السَّماءِ ) * « 3 » إلى قوله * ( فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوه الرِّياحُ ) * « 4 » وكل ما تذروه رياح الموت فهو زهرة الحياة الدنيا وكل ما لا يقطعه الموت فهو الباقيات الصالحات . فقد عرفت بهذا أن كمال القدرة بالمال والجاه كمال ظني لا أصل له ، وأن من قصر الوقت على طلبه وظنه مقصودا فهو جاهل ، وإليه أشار أبو الطيب بقوله
ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافة فقر فالذي فعل الفقر
إلا قدر البلغة منهما إلى الكمال الحقيقي . اللهم اجعلنا ممن وفقته للخير وهديته بلطفك

بيان ما يحمد من حب الجاه وما يذم

مهما عرفت أن معنى الجاه ملك القلوب ، والقدرة عليها ، فحكمه حكم ملك الأموال فإنه عرض من أعراض الحياة الدنيا ، وينقطع بالموت كالمال ، والدنيا مزرعة الآخرة . فكل ما خلق في الدنيا ، فيمكن أن يتزود منه للآخرة . وكما أنه لا بد من أدنى مال لضرورة المطعم ، والمشرب ، والملبس ، فلا بد من أدنى جاه لضرورة المعيشة مع الخلق . والإنسان كما لا يستغنى عن طعام يتناوله . فيجوز أن يحب الطعام ، أو المال الذي يبتاع به الطعام ، فكذلك
هامش
« 1 » الكهف : 46 . « 2 » يونس : 24 « 3 » الكهف : 45 . « 4 » الكهف : 45 .
إحياء علوم الدين — صفحة 95 | الغزالي