تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
الملوك والظلمة ، ويحتاج فيه إلى الحفظة ، والحراس ، والخزائن ، ويتطرق إليه أخطار كثيرة . وأما القلوب إذا ملكت ، فلا تتعرض لهذه الآفات ، فهي على التحقيق خزائن عتيدة ، لا يقدر عليها السراق ، ولا تتناولها أيدي النهاب والغصاب . وأثبت الأموال العقار ، ولا يؤمن فيه الغصب والظلم ، ولا يستغنى عن المراقبة والحفظ . وأما خزائن القلوب فهي محفوظة محروسة بأنفسها . والجاه في أمن وأمان من الغصب والسرقة فيها نعم : إنما تغصب القلوب بالتصريف ، وتقبيح الحال ، وتغيير الاعتقاد فيما صدق به من أوصاف الكمال ، وذلك مما يهون دفعه ؟ ولا يتيسر على محاوله فعله الثالث : أن ملك القلوب يسرى وينمي ويتزايد ، من غير حاجة إلى تعب ومقاساة ، فإن القلوب إذا أذعنت لشخص واعتقدت كماله ، بعلم أو عمل أو غيره ، أفصحت الألسنة لا محالة بما فيها ، فيصف ما يعتقده لغيره ، ويقتنص ذلك القلب أيضا له . ولهذا المعنى يحب الطبع الصيت وانتشار الذكر ، لأن ذلك إذا استطار في الأقطار اقتنص القلوب ، ودعاها إلى الإذعان والتعظيم ، فلا يزال يسرى من واحد إلى واحد ويتزايد ، وليس له مرد معين وأما المال ، فمن ملك منه شيئا فهو مالكه ، ولا يقدر على استنمائه إلا بتعب ومقاساة والجاه أبدا في النماء بنفسه ، ولا مرد لموقعه ، والمال واقف . ولهذا إذا عظم الجاه ، وانتشر الصيت ، وانطلقت الألسنة بالثناء ، استحقرت الأموال في مقابلته . فهذه مجامع ترجيحات الجاه على المال ، وإذا فصلت كثرت وجوه الترجيح فإن قلت : فالإشكال قائم في المال والجاه جميعا ، فلا ينبغي أن يحب الإنسان المال والجاه نعم : القدر الذي يتوصل به إلى جلب الملاذ ودفع المضار معلوم ، كالمحتاج إلى الملبس والمسكن والمطعم ، أو كالمبتلى بمرض أو بعقوبة ، إذا كان لا يتوصل إلى دفع العقوبة عن نفسه إلا بمال أو جاه ، فحبه للمال والجاه معلوم ، إذ كل ما لا يتوصل إلى المحبوب إلا به فهو محبوب ، وفي الطباع أمر عجيب وراء هذا ، وهو حب جمع الأموال ، وكنز الكنوز ، وادخار الذخائر واستكثار الخزائن وراء جميع الحاجات ، حتى لو كان للعبد واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا وكذلك يحب الإنسان اتساع الجاه ، وانتشار الصيت إلى أقاصي البلاد التي يعلم قطعا أنه لا يطؤها ، ولا يشاهد أصحابها ، ليعظموه أو ليبروه بمال ، أو ليعينوه على غرض من أغراضه