والتوقير بالمفاتحة بالسلام ، وتسليم الصدر في المحافل ، والتقديم في جميع المقاصد ، فهذه آثار تصدر عن قيام الجاه في القلب . ومعنى قيام الجاه في القلب اشتمال القلوب على اعتقاد صفات الكمال في الشخص ، إما بعلم ، أو عبادة ، أو حسن خلق ، أو نسب ، أو ولاية ، أو جمال في صورة ، أو قوة في بدن ، أو شيء مما يعتقده الناس كمالا ، فإن هذه الأوصاف كلها تعظم محله في القلوب ، فتكون سببا لقيام الجاه ، والله تعالى أعلم
بيان سبب كون الجاه محبوبا بالطبع حتى لا يخلو عنه قلب إلا بشديد المجاهدة
اعلم أن السبب الذي يقتضي كون الذهب والفضة وسائر أنواع الأموال محبوبا ، هو بعينه يقتضي كون الجاه محبوبا . بل يقتضي أن يكون أحب من المال ، كما يقتضي أن يكون الذهب أحب من الفضة مهما تساويا في المقدار . وهو أنك تعلم أن الدراهم والدنانير لا غرض في أعيانهما ، إذ لا تصلح لمطعم ، ولا مشرب ، ولا منكح ، ، ولا ملبس ، وإنما هي والحصباء بمثابة واحدة . ولكنهما محبوبان لأنهما وسيلة إلى جميع المحاب ، وذريعة إلى قضاء الشهوات فكذلك الجاه ، لأن معنى الجاه ملك القلوب . وكما أن ملك الذهب والفضة يفيد قدرة يتوصل الإنسان بها إلى سائر أغراضه ، فكذلك ملك قلوب الأحرار والقدرة على استسخارها يفيد قدرة على التوصل إلى جميع الأغراض . فالاشتراك في السبب اقتضى الاشتراك في المحبة ، وترجيح الجاه على المال اقتضى أن يكون الجاه أحب من المال .
ولملك الجاه ترجيح على ملك المال من ثلاثة أوجه :
الأول : أن التوصل بالجاه إلى المال أيسر من التوصل بالمال إلى الجاه .
فالعالم أو الزاهد الذي تقرر له جاه في القلوب ، لو قصد اكتساب المال تيسر له . فإن أموال أرباب القلوب مسخرة للقلوب ، ومبذولة لمن اعتقد فيه الكمال . وأما الرجل الخسيس ، الذي لا يتصف بصفة كمال ، إذا وجد كنزا ، ولم يكن له جاه يحفظ ماله ، وأراد أن يتوصل بالمال إلى الجاه لم يتيسر له . فإذا الجاه آلة ووسيلة إلى المال . فمن ملك الجاه فقد ملك المال . ومن ملك المال لم يملك الجاه بكل حال . فلذلك صار الجاه أحب
الثاني : هو أن المال معرض للبلوى والتلف ، بأن يسرق ، ويغصب ، ويطمع فيه
إحياء علوم الدين — صفحة 86
مساهمون: الغزالي
ص٨٦