تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
ومع اليأس من ذلك فإنه يلتذ به غاية الالتذاذ ، وحب ذلك ثابت في الطبع ويكاد يظن أن ذلك جهل ، فإنه حب لما لا فائدة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة . فنقول : نعم هذا الحب لا تنفك عنه القلوب ، وله سببان : أحدهما جلى تدركه الكافة ، والآخر خفى ، وهو أعظم السببين ، ولكنه أدقهما وأخفاهما ، وأبعدهما عن أفهام الأذكياء فضلا عن الأغبياء ، وذلك لاستمداده من عرق خفي في النفس ، وطبيعة مستكنة في الطبع ، لا يكاد يقف عليها إلا الغواصون فأما السبب الأول : فهو دفع ألم الخوف ، لأن الشفيق بسوء الظن مولع ، والإنسان وإن كان مكفيا في الحال ، فإنه طويل الأمل ، ويخطر بباله أن المال الذي فيه كفايته ربما يتلف ، فيحتاج إلى غيره . فإذا خطر ذلك بباله ، هاج الخوف من قلبه . ولا يدفع ألم الخوف إلا الأمن الحاصل بوجود مال آخر ، يفزع إليه إن أصابت هذا المال جائحة . فهو أبدا لشفقته على نفسه وحبه للحياة ، يقدر طول الحياة ، ويقدر هجوم الحاجات ، ويقدر إمكان تطرق الآفات إلى الأموال ، ويستشعر الخوف من ذلك ، فيطلب ما يدفع خوفه ، وهو كثرة المال ، حتى إن أصيب بطائفة من ماله استغنى بالآخر وهذا خوف لا يوقف له على مقدار مخصوص من المال ، فلذلك لم يكن لمثله موقف إلى أن يملك جميع ما في الدنيا . ولذلك قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « منهومان لا يشبعان منهوم العلم ومنهوم المال » ومثل هذه العلة تطرد في حبه قيام المنزلة والجاه في قلوب الأباعد عن وطنه وبلده . فإنه لا يخلو عن تقدير سبب يزعجه عن الوطن ، أو يزعج أولئك عن أوطانهم إلى وطنه ، ويحتاج إلى الاستعانة بهم ومهما كان ذلك ممكنا ، ولم يكن احتياجه إليهم مستحيلا إحالة ظاهرة ، كان للنفس فرح ولذة بقيام الجاه في قلوبهم ، لما فيه من الأمن من هذا الخوف . وأما السبب الثاني : وهو الأقوى : أن الروح أمر رباني ، به وصف الله تعالى . إذ قال سبحانه * ( ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ من أَمْرِ رَبِّي ) * « 1 » ومعنى كونه ربانيا أنه من أسرار علوم المكاشفة ، ولا رخصة في إظهاره ، [ 2 ] إذ لم يظهره رسول الله صلَّى الله عليه وسلم
شرح
[ 1 ] حديث منهومان لا يشبعان - الحديث : الطبراني من حديث أبي مسعود بسند ضعيف والبزار والطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس بسند لين وقد تقدم [ 2 ] حديث انه صلَّى الله عليه وسلم لم يظهر سر الروح : البخاري من حديث ابن مسعود وقد تقدم
هامش
« 1 » الاسراء : 85
إحياء علوم الدين — صفحة 88 | الغزالي