فهذه الآثار والأخبار تعرفك مذمة الشهرة ، وفضيلة الخمول . وإنما المطلوب بالشهرة وانتشار الصيت هو الجاه والمنزلة في القلوب . وحب الجاه هو منشأ كل فساد .
فإن قلت فأي شهرة تزيد على شهرة الأنبياء ، والخلفاء الراشدين ، وأئمة العلماء فكيف فاتهم فضيلة الخمول ؟ فاعلم أنّ المذموم طلب الشهرة . فأما وجودها من جهة الله سبحانه من غير تكلف من العبد فليس بمذموم . نعم : فيه فتنة على الضعفاء دون الأقوياء وهم كالغريق الضعيف ، إذا كان معه جماعة من الغرقى ، فالأولى به أن لا يعرفه أحد منهم ، فإنهم يتعلقون به ، فيضعف عنهم ، فيهلك معهم . وأما القوي ، فالأولى أن يعرفه الغرقى ليتعلقوا به ، فينجيهم ويثاب على ذلك
بيان ذم حب الجاه
قال الله تعالى * ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأَرْضِ ولا فَساداً ) * « 1 » جمع بين إرادة الفساد والعلو وبيّن أن الدار الآخرة للخالى عن الإرادتين جميعا وقال عز وجل * ( من كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ . أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ في الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * « 2 » وهذا أيضا متناول بعمومه لحب الجاه ، فإنه أعظم لذة من لذات الحياة الدنيا ، وأكثر زينة من زينتها . وقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « حبّ المال والجاه ينبتان النّفاق في القلب كما ينبت الماء البقل » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأسرع إفسادا من حبّ الشّرف والمال في دين الرّجل المسلم » وقال صلَّى الله عليه وسلم لعلى كرم الله وجهه [ 3 ] « إنّما هلاك النّاس باتّباع الهوى وحبّ الثّناء » نسأل الله العفو والعافية بمنه وكرمه
شرح
[ 1 ] حديث المال والجاه ينبتان النفاق - الحديث : تقدم في أول هذا الباب ولم أجده
[ 2 ] حديث ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم - الحديث : تقدم أيضا هناك
[ 3 ] حديث انما هلاك الناس باتباع الهوى وحب الثناء : لم أره بهذا اللفظ وقد تقدم في العلم من حديث أنس ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع - الحديث : ولأبي منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عباس بسند ضعيف حب الثناء من الناس يعمى ويصم
هامش
« 1 » القصص : 83 .
« 2 » هود : 15 ، 16