ولكنك قبل معرفة ذلك ، نعلم أن للقلب ميلا إلى صفات بهيمية ، كالأكل والوقاع ، وإلى صفات سبعية ، كالقتل والضرب والإيذاء ، وإلى صفات شيطانية ، كالمكر والخديعة والإغواء ، وإلى صفات ربوبية . كالكبر والعز والتجبر وطلب الاستعلاء . وذلك لأنه مركب من أصول مختلفة يطول شرحها وتفصيلها ، فهو لما فيه من الأمر الرباني يحب الربوبية بالطبع ، ومعنى الربوبية التوحد بالكمال ، والتفرد بالوجود على سبيل الاستقلال .
فصار الكمال من صفات الإلهية ، فصار محبوبا بالطبع للإنسان . والكمال بالتفرد بالوجود فإن المشاركة في الوجود نقص لا محالة . فكمال الشمس في أنها موجودة وحدها ، فلو كان معها شمس أخرى لكان ذلك نقصا في حقها ، إذ لم تكن منفردة بكمال معنى الشمسية .
والمنفرد بالوجود هو الله تعالى ، إذ ليس معه موجود سواه ، فإن ما سواه أثر من آثار قدرته لا قوام له بذاته ، بل هو قائم به . فلم يكن موجودا معه ، لأن المعية توجب المساواة في الرتبة والمساواة في الرتبة نقصان في الكمال . بل الكامل من لا نظير له في رتبته . وكما أن إشراق نور الشمس في أقطار الآفاق ليس نقصانا في الشمس ، بل هو من جملة كمالها ، وإنما نقصان الشمس بوجود شمس أخرى تساويها في الرتبة ، مع الاستغناء عنها ، فكذلك وجود كل ما في العالم يرجع إلى إشراق أنوار القدرة ، فيكون تابعا ولا يكون متبعا . فإذا معنى الربوبية التفرد بالوجود ، وهو الكمال . وكل إنسان فإنه بطبعه محب لأن يكون هو المنفرد بالكمال ولذلك قال بعض مشايخ الصوفية : ما من إنسان إلا وفي باطنه ما صرح به فرعون من قوله * ( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى ) * « 1 » ولكنه ليس يجد له مجالا . وهو كما قال . فإن العبودية قهر على النفس ، والربوبية محبوبة بالطبع . وذلك للنسبة الربانية التي أومأ إليها قوله تعالى * ( قُلِ الرُّوحُ من أَمْرِ رَبِّي ) * « 2 » ولكن لما عجزت النفس عن درك منتهى الكمال ، لم تسقط شهوتها للكمال ، فهي محبة للكمال ، ومشتهية له ، وملتذة به لذاته لا لمعنى آخر وراء الكمال ، وكل موجود فهو محب لذاته ، ولكمال ذاته ، ومبغض الهلاك الذي هو عدم ذاته ، أو عدم صفات الكمال من ذاته . وإنما الكمال بعد أن يسلم التفرد بالوجود ، في الاستيلاء على كل الموجودات . فإن أكمل الكمال أن يكون وجود غيرك منك ، فإن لم يكن منك
هامش
« 1 » النازعات : 32 .
« 2 » الاسراء : 85 .