تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
عن ناحية مجلسي ، حتى صار بيني وبين الحسن فرجة ومجلس للحجاج . فجاء الحجاج حتى جلس بيني وبينه ، والحسن يتكلم بكلام له يتكلم به في كل يوم فما قطع الحسن كلامه قال سعيد : فقلت في نفسي لأبلون الحسن اليوم ، ولأنظرن هل يحمل الحسن جلوس الحجاج إليه أن يزيد في كلامه يتقرب إليه ، أو يحمل الحسن هيبة الحجاج أن ينقص من كلامه . فتكلم الحسن كلاما واحدا ، نحوا مما كان يتكلم به في كل يوم ، حتى انتهى إلى آخر كلامه . فلما فرغ الحسن من كلامه وهو غير مكترث به ، رفع الحجاج يده فضرب بها على منكب الحسن ثم قال . صدق الشيخ وبر . فعليكم بهذه المجالس وأشباهها ، فاتخذوها حلقا وعادة ، فإنه بلغني عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، [ 1 ] أن مجالس الذكر رياض الجنة . ولولا ما حملناه من أمر الناس ما غلبتمونا على هذه المجالس ، لمعرفتنا بفضلها . قال ثم افتر الحجاج ، فتكلم حتى عجب الحسن ومن حضر من بلاغته . فلما فرغ طفق فقام . فجاء رجل من أهل الشام إلى مجلس الحسن حين قام الحجاج ، فقال عباد الله المسلمين ، ألا تعجبون أنى رجل شيخ كبير ، وأنى أغزو فأكلف فرسا وبغلا ، وأكلف فسطاطا ، وأن لي ثلاثمائة درهم من العطاء ، وأن لي سبع بنات من العيال ! فشكا من حاله حتى رق الحسن له وأصحابه ، والحسن مكب . فلما فرغ الرجل من كلامه رفع الحسن رأسه ، فقال ما لهم قاتلهم الله اتخذوا عباد الله خولا ، ومال الله دولا ، وقتلوا الناس على الدينار والدرهم . فإذا غزا عدو الله غزا في الفساطيط الهبابة ، وعلى البغال السباقة . وإذا أغزى أخاه أغزاه طاويا راجلا . فما فتر الحسن حتى ذكرهم بأقبح العيب وأشده . فقام رجل من أهل الشام كان جالسا إلى الحسن ، فسعى به إلى الحجاج وحكى له كلامه . فلم يلبث الحسن أن أتته رسل الحجاج ، فقالوا أجب الأمير . فقام الحسن ، وأشفقنا عليه من شدة كلامه الذي تكلم به . فلم يلبث الحسن أن رجع إلى مجلسه وهو يتبسم ، وقلما رأيته فاغرا فاه يضحك ، إنما كان يتبسم . فأقبل حتى قعد في مجلسه ، فعظم الأمانة ، وقال إنما تجالسون بالأمانة ، كأنكم تظنون أن الخيانة ليست إلا في الدينار والدرهم . إن الخيانة أشد الخيانة أن يجالسنا الرجل ، فنطمئن إلى جانبه ، ثم ينطلق فيسعى بنا إلى شرارة من نار
شرح
[ 1 ] حديث ان مجالس الذكر رياض الجنّة : تقدم في الأذكار والدعوات