إني أتيت هذا الرجل ، فقال أقصر عليك من لسانك وقولك : إذا غزا عدو الله كذا وكذا وإذا أغزى أخاه أغزاه كذا ، لا أبا لك ، تحرض علينا الناس ؟ أما إنا على ذلك لا نتهم نصيحتك فأقصر عليك من لسانك . قال فدفعه الله عنى . وركب الحسن حمارا يريد المنزل ، فبينما هو يسير إذ التفت فرأى قوما يتبعونه ، فوقف فقال : هل لكم من حاجة ؟ أو تسألون عن شيء ؟ وإلا فارجعوا ، فما يبقى هذا من قلب العبد . فبهذه العلامات وأمثالها تتبين سريرة الباطن . ومهما رأيت العلماء يتغايرون ويتحاسدون ، ولا يتوانسون ولا يتعاونون ، فاعلم أنهم قد اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فهم الخاسرون . اللهم ارحمنا بلطفك يا أرحم الراحمين
بيان ما يصح من نشاط العبد للعبادة بسبب رؤية الخلق وما لا يصح
اعلم أن الرجل قد يبيت مع القوم في موضع ، فيقومون للتهجد ، أو يقوم بعضهم فيصلون الليل كله أو بعضه ، وهو ممن يقوم في بيته ساعة قريبة ، فإذا رآهم انبعث نشاطه للموافقة حتى يزيد على ما كان يعتاده . أو يصلى ، مع أنه كان لا يعتاد الصلاة بالليل أصلا . وكذلك قد يقع في موضع يصوم فيه أهل الموضع ، فينبعث له نشاط في الصوم ، ولولا هم لما انبعث هذا النشاط . فهذا ربما يظن أنه رياء ، وأن الواجب ترك الموافقة ، وليس كذلك على الإطلاق بل له تفصيل ، لأن كل مؤمن راغب في عبادة الله تعالى ، وفي قيام الليل وصيام النهار . ولكن قد تعوقه العوائق ، ويمنعه الاشتغال ، ويغلبه التمكن من الشهوات . أو تستهويه الغفلة فربما تكون مشاهدة الغير سبب زوال الغفلة ، أو تندفع العوائق والأشغال في بعض المواضع فينبعث له النشاط ، فقد يكون الرجل في منزله ، فتقطعه الأسباب عن التهجد ، مثل تمكنه من النوم على فراش وثير ، أو تمكنه من التمتع بزوجته ، أو المحادثة مع أهله وأقاربه ، أو الاشتغال بأولاده ، أو مطالعة حساب له مع معامليه . فإذا وقع في منزل غريب ، اندفعت عنه هذه الشواغل التي تفتر رغبته عن الخير ، وحصلت له أسباب باعثة على الخير ، كمشاهدته إياهم وقد أقبلوا على الله ، وأعرضوا عن الدنيا ، فإنه ينظر إليهم فينافسهم ، ويشق عليه أن يسبقوه بطاعة الله ، فتتحرك داعيته للدين لا للرياء . أو ربما يفارقه النوم لاستنكاره الموضع ،