وكان يشير إلى لسانه ويقول ، هذا الذي أوردنى الموارد . وقال عبد الله بن مسعود والله الذي لا إله إلا هو ، ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان . وقال طاوس ، لساني سبع ، إن أرسلته أكلنى . وقال وهب بن منبه في حكمة آل داود ، حق على العاقل أن يكون عارفا بزمانه ، حافظا للسانه ، مقبلا على شانه . وقال الحسن : ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه وقال الأوزاعي ، كتب إلينا عمر بن عبد العزيز رحمه الله ، أما بعد ، فإن من أكثر ذكر الموت ، رضى من الدنيا باليسير ، ومن عد كلامه من عمله ، قل كلامه إلا فيما يعنيه .
وقال بعضهم ، الصمت يجمع للرجل فضيلتين ، السلامة في دينه ، والفهم عن صاحبه . وقال محمد بن واسع لمالك بن دينار ، يا أبا يحيى ، حفظ اللسان أشد على الناس من حفظ الدينار والدرهم . وقال يونس بن عبيد ، ما من الناس أحد يكون منه لسانه على بال ، إلا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله وقال الحسن : تكلم قوم عند معاوية رحمه الله ، والأحنف بن قيس ساكت . فقال له مالك يا أبا بحر لا تتكلم ؟ فقال له ، أخشى الله إن كذبت وأخشاك إن صدقت وقال أبو بكر بن عياش ، اجتمع أربعة ملوك ، ملك الهند ، وملك الصين ، وكسرى ، وقيصر . فقال أحدهم ، أنا أندم على ما قلت ، ولا أندم على ما لم أقل . وقال الآخر ، إني إذا تكلمت بكلمة ملكتني ولم أملكها ، وإذا لم أتكلم بها ملكتها ولم تملكني . وقال الثالث ، عجبت للمتكلم إن رجعت عليه كلمته ضرته ، وإن لم ترجع لم تنفعه . وقال الرابع ، أنا على رد ما لم أقل أقدر منى على رد ما قلت وقيل أقام المنصور بن المعتز لم يتكلم بكلمة بعد العشاء الآخرة أربعين سنة . وقيل ما تكلم الربيع بن خيثم بكلام الدنيا عشرين سنة . وكان إذا أصبح وضع دواة وقرطاسا وقلما . فكل ما تكلم به كتبه ، ثم يحاسب نفسه عند المساء
فإن قلت : فهذا الفضل الكبير للصمت ما سببه ؟
فاعلم أن سببه كثرة آفات اللسان ، من الخطأ ، والكذب ، والغيبة ، والنميمة ، والرياء والنفاق ، والفحش ، والمراء ، وتزكية النفس ، والخوض في الباطل ، والخصومة ، والفضول والتحريف ، والزيادة ، والنقصان ، وإيذاء الخلق ، وهتك العورات
إحياء علوم الدين — صفحة 204
مساهمون: الغزالي
ص٢٠٤