فخرج الناس وخرج بهلول المجنون فيمن خرج بالكناسة ، والصبيان يؤذونه ويولعون به إذ أقبلت هوادج هارون ، فكف الصبيان عن الولوع به ، فلما جاء هارون نادى بأعلى صوته يا أمير المؤمنين فكشف هارون السجاف بيده عن وجهه ، فقال لبيك يا بهلول ، فقال : يا أمير المؤمنين حدثنا أيمن بن نائل ، عن قدامة بن عبد الله العامري ، قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم [ 1 ] منصرفا من عرفة على ناقة له صهباء ، لا ضرب ولا طرد ، ولا إليك إليك ، وتواضعك في سفرك هذا يا أمير المؤمنين خير لك من تكبرك وتجبرك ، قال فبكى هارون حتى سقطت دموعه على الأرض ، ثم قال يا بهلول زدنا رحمك الله ، قال : نعم يا أمير المؤمنين رجل آتاه الله مالا وجمالا فأنفق من ماله وعف في جماله ، كتب في خالص ديوان الله تعالى مع الأبرار ، قال أحسنت يا بهلول ودفع له جائزة ، فقال أردد الجائزة إلى من أخذتها منه فلا حاجة لي فيها ، قال يا بهلول فإن كان عليك دين قضيناه ، قال يا أمير المؤمنين : هؤلاء أهل العلم بالكوفة متوافرون قد اجتمعت آراؤهم أن قضاء الدين بالدين لا يجوز ، قال يا بهلول فنجرى عليك ما يقوتك أو يقيمك ، قال فرفع بهلول رأسه إلى السماء ، ثم قال يا أمير المؤمنين أنا وأنت من عيال الله فمحال أن يذكرك وينساني ، قال فأسبل هارون السجاف ومضى
وعن أبي العباس الهاشمي
عن صالح بن المأمون ، قال دخلت على الحارث المحاسبي رحمه الله فقلت له يا أبا عبد الله ، هل حاسبت نفسك ؟ فقال كان هذا مرة قلت له فاليوم قال أكاتم حالي ، إني لأقرأ آية من كتاب الله تعالى فأضن بها أن تسمعها نفسي ، ولولا أن يغلبني فيها فرح ما أعلنت بها ، ولقد كنت ليلة قاعدا في محرابي ، فإذا أنا بفتى حسن الوجه طيب الرائحة فسلم علىّ ثم قعد بين يدي ، فقلت له من أنت ؟ فقال أنا واحد من السياحين أقصد المتعبدين في محاريبهم ، ولا أرى لك اجتهادا فأي شيء عملك ، قال قلت له : كتمان المصائب واستجلاب الفوائد ، قال فصاح وقال : ما علمت أن أحدا بين جنبي المشرق والمغرب هذه صفته ، قال الحارث فأردت أن أزيد عليه فقلت له : أما علمت أن أهل القلوب يخفون أحوالهم ، ويكتمون
شرح
[ 1 ] حديث قدامة بن عبد الله العامري رأيت النبي صلى الله عليه وسلم منصرفا من عرفة على ناقة له صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك : الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة دون قوله منصرفا من عرفة وانما قالوا يرمى الجمرة وهو الصواب وقد تقدم في الباب الثاني