من إخواني وإخوانك أحد إلا وقد زارني وهنانى بما صرت إليه ، وقد فتحت بيوت الأموال وأعطيتهم من الجوائز السنية ما فرحت به نفسي ، وقرت به عيني ، وإني استبطأتك فلم تأتني ، وقد كتبت إليك كتابا شوقا منى إليك شديدا ، وقد علمت يا أبا عبد الله ما جاء في فضل المؤمن وزيارته ومواصلته ، فإذا ورد عليك كتابي فالعجل العجل .
فلما كتب الكتاب التفت إلى من عنده ، فإذا كلهم يعرفون سفيان الثوري وخشونته فقال علي برجل من الباب ، فأدخل عليه رجل يقال له عباد الطالقاني ، فقال يا عباد خذ كتابي هذا فانطلق به إلى الكوفة ، فإذا دخلتها فسل عن قبيلة بني ثور ، ثم سل عن سفيان الثوري ، فإذا رأيته فألق كتابي هذا إليه ، وع بسمعك وقلبك جميع ما يقول ، فاحص عليه دقيق أمره وجليله لتخبرني به ، فأخذ عباد الكتاب وانطلق به حتى ورد الكوفة ، فسأل عن القبيلة فأرشد إليها ، ثم سأل عن سفيان ، فقيل له هو في المسجد ، قال عباد فأقبلت إلى المسجد ، فلما رآني قام قائما ، وقال : أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان الرجيم ، وأعوذ بك اللهم من طارق يطرق إلا بخير ، قال عباد : فوقعت الكلمة في قلبي فخرجت ، فلما رآني نزلت بباب المسجد قام يصلى ، ولم يكن وقت صلاة ، فربطت فرسى بباب المسجد ودخلت ، فإذا جلساؤه قعود قد نكسوا رؤسهم ، كأنهم لصوص ، قد ورد عليهم السلطان فهم خائفون من عقوبته ، فسلمت ، فما رفع أحد إلىّ رأسه ، وردوا السلام علىّ برؤس الأصابع ، فبقيت واقفا فما منهم أحد يعرض علىّ الجلوس وقد علانى من هيبتهم الرعدة ، ومددت عيني إليهم فقلت : إن المصلى هو سفيان ، فرميت بالكتاب إليه ، فلما رأى الكتاب ارتعد وتباعد منه ، كأنه حية عرضت له في محرابه ، فرجع وسجد وسلم وأدخل يده في كمه ولفها بعباءته وأخذه فقلبه بيده ، ثم رماه إلى من كان خلفه ، وقال يأخذه بعضكم يقرؤه ، فإني أستغفر الله أن أمس شيئا مسه ظالم بيده ، قال عباد فأخذه بعضهم فحله كأنه خائف من فم حية تنهشه ثم فضه وقرأه ، وأقبل سفيان يتبسم تبسم المتعجب ، فلما فرغ من قراءته قال اقلبوه واكتبوا إلى الظالم في ظهر كتابه ، فقيل له يا أبا عبد الله إنه خليفة ، فلو كتبت إليه في قرطاس نقى ، فقال اكتبوا إلى الظالم في ظهر كتابه ، فإن كان اكتسبه من حلال فسوف يجزى به
إحياء علوم الدين — صفحة 87
مساهمون: الغزالي
ص٨٧