أسرارهم ، ويسألون الله كتمان ذلك عليهم ، فمن أين تعرفهم ؟ قال فصاح صيحة غشى عليه منها ، فمكث عندي يومين لا يعقل ، ثم أفاق وقد أحدث في ثيابه ، فعلمت إزالة عقله فأخرجت له ثوبا جديدا ، وقلت له هذا كفني قد آثرتك به ، فاغتسل وأعد صلاتك ، فقال هات الماء ، فاغتسل وصلى ، ثم التحف بالثوب وخرج ، فقلت له أين تريد ؟ فقال لي قم معي فلم يزل يمشى ، حتى دخل على المأمون فسلم عليه ، وقال يا ظالم ، أنا ظالم إن لم أقل لك يا ظالم ، استغفر الله من تقصيري فيك ، أما تتقى الله تعالى فيما قد ملكك ، وتكلم بكلام كثير ثم أقبل يريد الخروج وأنا جالس بالباب فأقبل عليه المأمون ، وقال : من أنت ؟ قال : أنا رجل من السياحين فكرت فيما عمل الصديقون قبلي ، فلم أجد لنفسي فيه حظا ، فتعلقت بموعظتك لعلى ألحقهم ، قال فأمر بضرب عنقه فأخرج وأنا قاعد على الباب ملفوفا في ذلك الثوب ، ومناد ينادى من ولى هذا ؟ فليأخذه ، قال الحارث : فاختبأت عنه ، فأخذه أقوام غرباء فدفنوه وكنت معهم لا أعلمهم بحاله ، فأقمت في مسجد بالمقابر محزونا على الفتى ، فغلبتني عيناي فإذا هو بين وصائف لم أر أحسن منهن ، وهو يقول يا حارث أنت والله من الكاتمين الذين يخفون أحوالهم ، ويطيعون ربهم ، قلت وما فعلوا قال الساعة يلقونك ، فنظرت إلى جماعة ركبان ، فقلت من أنتم ؟ قالوا الكاتمون أحوالهم ، حرّك هذا الفتى كلامك له فلم يكن في قلبه مما وصفت شيء فخرج للأمر والنهى ، وإن الله تعالى أنزله معنا وغضب لعبده
وعن أحمد بن إبراهيم المقري
قال كان أبو الحسين النوري رجلا قليل الفضول ، لا يسأل عما لا يعينه ، ولا يفتش عما لا يحتاج إليه ، وكان إذا رأى منكرا غيره ولو كان فيه تلفه فنزل ذات يوم إلى مشرعة تعرف بمشرعة الفحامين ، يتطهر للصلاة ، إذ رأى زورقا فيه ثلاثون دنا [ 1 ] مكتوب عليها بالقار لطف ، فقرأه وأنكره ، لأنه لم يعرف في التجارات ولا في البيوع شيئا يعبر عنه بلطف ، فقال للملاح أيش في هذه الدنان ، قال وأيش عليك امض في شغلك ، فلما سمع النوري من الملاح هذا القول ازداد تعطشا إلى معرفته ، فقال أحب أن تخبرني أيش في هذه الدنان ، قال وأيش عليك ، أنت والله صوفي فضولي ، هذا خمر للمعتضد يريد أن يتمم به مجلسه ، فقال النوري وهذا خمر ، قال : نعم ، فقال : أحب
شرح
[ 1 ] الدن : الوعاء