أن تعطيني ذلك المدري ، فاغتاظ الملاح عليه وقال لغلامه أعطه حتى أنظر ما يصنع ، فلما صارت المدري في يده صعد إلى الزورق ولم يزل يكسرها دنّا دنّا حتى أتى على آخرها إلا دنّا واحدا ، والملاح يستغيث إلى أن ركب صاحب الجسر ، وهو يومئذ ابن بشر أفلح فقبض على النوري وأشخصه إلى حضرة المعتضد ، وكان المعتضد سيفه قبل كلامه ، ولم يشك الناس في أنه سيقتله ، قال أبو الحسين فأدخلت عليه ، وهو جالس على كرسي حديد وبيده عمود يقلبه ، فلما رآني قال من أنت ؟ قلت محتسب ، قال ومن ولاك الحسبة ، قلت الذي ولاك الإمامة ولاني الحسبة يا أمير المؤمنين ، قال فأطرق إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه إلىّ وقال : ما الذي حملك على ما صنعت ؟ فقلت شفقة منى عليك ، إذ بسطت يدي إلى صرف مكروه عنك فقصرت عنه ، قال فأطرق مفكرا في كلامي ثم رفع رأسه إلىّ وقال : كيف تخلص هذا الدن الواحد من جملة الدنان ؟ فقلت في تخلصه علة أخبر بها أمير المؤمنين إن أذن ، فقال هات خبرني ، فقلت : يا أمير المؤمنين إني أقدمت على الدنان بمطالبة الحق سبحانه لي بذلك ، وغمر قلبي شاهد الإجلال للحق وخوف المطالبة ، فغابت هيبة الخلق عنى ، فأقدمت عليها بهذه الحال إلى أن صرت إلى هذا الدن ، فاستشعرت نفسي كبرا على أنى أقدمت على مثلك فمنعت ، ولو أقدمت عليه بالحال الأول وكانت ملء الدنيا دنان لكسرتها ولم أبال ، فقال المعتضد : اذهب فقد أطلقنا يدك غيّر ما أحببت أن تغيره من المنكر ، قال أبو الحسين فقلت : يا أمير المؤمنين بغض إلىّ التغيير لأني كنت أغيّر عن الله تعالى وأنا الآن أغيّر عن شرطي ، فقال المعتضد ما حاجتك ؟ فقلت يا أمير المؤمنين تأمر بإخراجي سالما ، فأمر له بذلك وخرج إلى البصرة ، فكان أكثر أيامه بها خوفا من أن يسأله أحد حاجة يسألها المعتضد ، فأقام بالبصرة إلى أن توفى المعتضد ، ثم رجع إلى بغداد فهذه كانت سيرة العلماء وعادتهم في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وقلة مبالاتهم بسطوة السلاطين ، لكنهم اتكلوا على فضل الله تعالى أن يحرسهم ، ورضوا بحكم الله تعالى أن يرزقهم الشهادة ، فلما أخلصوا لله النية أثر كلامهم في القلوب القاسية فلينها ، وأزال قساوتها ، وأما الآن فقد قيدت الأطماع ألسن العلماء فسكتوا ، وإن تكلموا لم تساعد
إحياء علوم الدين — صفحة 92
مساهمون: الغزالي
ص٩٢