واعلم أنى قد نصحتك ، وما أبقيت لك في النصح غاية ، فاتق الله يا هارون في رعيتك واحفظ محمدا صلى الله عليه وسلم في أمته ، وأحسن الخلافة عليهم واعلم أن هذا الأمر لو بقي لغيرك لم يصل إليك ، وهو صائر إلى غيرك ، وكذا الدنيا تنتقل بأهلها واحدا بعد واحد ، فمنهم من تزود زادا نفعه ، ومنهم من خسر دنياه وآخرته وإني أحسبك يا هارون ممن خسر دنياه وآخرته ، فإياك إياك أن تكتب لي كتابا بعد هذا فلا أجيبك عنه ، والسلام قال عباد : فألقى إلىّ الكتاب منشورا غير مطوى ولا مختوم ، فأخذته وأقبلت إلى سوق الكوفة ، وقد وقعت الموعظة من قلبي ، فناديت يا أهل الكوفة فأجابوني ، فقلت لهم : يا قوم من يشترى رجلا هرب من الله إلى الله ، فأقبلوا إلىّ بالدنانير والدراهم ، فقلت لا حاجة لي في المال ، ولكن جبة صوف خشنة ، وعباءة قطوانية ، قال فأتيت بذلك ، ونزعت ما كان علىّ من اللباس الذي كنت ألبسه مع أمير المؤمنين ، وأقبلت أقود البرذون [ 1 ] ، وعليه السلاح الذي كنت أحمله ، حتى أتيت باب أمير المؤمنين هارون حافيا راجلا ، فهزأ بي من كان على باب الخليفة ، ثم استؤذن لي ، فلما دخلت عليه وبصر بي على تلك الحالة قام وقعد ، ثم قام قائما ، وجعل يلطم رأسه ووجهه ، ويدعو بالويل والحزن ، ويقول : انتفع الرسول وخاب المرسل ، مالي والدنيا ، مالي والملك يزول عنى سريعا ، ثم ألقيت الكتاب إليه منشورا كما دفع إلىّ فأقبل هارون يقرؤه ، ودموعه تنحدر من عينيه ، ويقرأ ويشهق ، فقال بعض جلسائه يا أمير المؤمنين لقد اجترأ عليك سفيان ، فلو وجهت إليه فأثقلته بالحديد ، وضيقت عليه السجن ، كنت تجعله عبرة لغيره ، فقال هارون : اتركونا يا عبيد الدنيا ، المغرور من غررتموه ، والشقي من أهلكتموه ، وإن سفيان أمة وحده ، فاتركوا سفيان وشأنه ، ثم لم يزل كتاب سفيان إلى جنب هارون يقرؤه عند كل صلاة ، حتى توفى رحمه الله ، فرحم الله عبدا نظر لنفسه ، واتقى الله فيما يقدم عليه غدا من عمله فإنه عليه يحاسب ، وبه يجازى والله ولى التوفيق
وعن عبد الله بن مهران
، قال حج الرشيد فوافى الكوفة فأقام بها أياما ، ثم ضرب بالرحيل
شرح
[ 1 ] البرذون : الدابة التي كان يركبها .