تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
ويقول له خل عنها أو لأرمينك ، فإن لم يخل عنها فله أن يرمى ، وينبغي أن لا يقصد المقتل بل الساق والفخذ وما أشبهه ، ويراعى فيه التدريج ، وكذلك يسل سيفه ، ويقول اترك هذا المنكر أو لأضربنك ، فكل ذلك دفع للمنكر ، ودفعه واجب بكل ممكن ، ولا فرق في ذلك بين ما يتعلق بخاص حق الله وما يتعلق بالآدميين ، وقالت المعتزلة : ما لا يتعلق بالآدميين فلا حسبة فيه الا بالكلام أو بالضرب ، ولكن للإمام لا للآحاد الدرجة الثامنة أن لا يقدر عليه بنفسه ويحتاج فيه إلى أعوان يشهرون السلاح ، وربما يستمد الفاسق أيضا بأعوانه ، ويؤدى ذلك إلى أن يتقابل الصفان ويتقاتلا ، فهذا قد ظهر الاختلاف في احتياجه إلى إذن الإمام . فقال قائلون : لا يستقل آحاد الرعية بذلك ، لأنه يؤدى إلى تحريك الفتن وهيجان الفساد وخراب البلاد وقال آخرون : لا يحتاج إلى الإذن وهو الأقيس ، لأنه إذا جاز للآحاد الأمر بالمعروف وأوائل درجاته تجر إلى ثوان ، والثواني إلى ثوالث ، وقد ينتهى لا محالة إلى التضارب والتضارب يدعو إلى التعاون ، فلا ينبغي أن يبالي بلوازم الأمر بالمعروف ، ومنتهاه تجنيد الجنود في رضا الله ودفع معاصيه ، ونحن نجوّز للآحاد من الغزاة أن يجتمعوا ويقاتلوا من أرادوا من فرق الكفار ، قمعا لأهل الكفر ، فكذلك قمع أهل الفساد جائز ، لأن الكافر لا بأس بقتله ، والمسلم إن قتل فهو شهيد ، فكذلك الفاسق المناضل عن فسقه لا بأس بقتله والمحتسب المحق إن قتل مظلوما فهو شهيد وعلى الجملة فانتهاء الأمر إلى هذا من النوادر في الحسبة ، فلا يغير به قانون القياس ، بل يقال كل من قدر على دفع منكر ، فله أن يدفع ذلك بيده وبسلاحه وبنفسه وبأعوانه ، فالمسألة إذا محتملة كما ذكرناه ، فهذه درجات الحسبة فلنذكر آدابها والله الموفق
إحياء علوم الدين — صفحة 51 | الغزالي