وليس إلى آحاد الرعية إلا الدفع ، وهو إعدام المنكر ، فما زاد على قدر الإعدام فهو إما عقوبة على جريمة سابقة ، أو زجر عن لاحق ، وذلك إلى الولاة لا إلى الرعية ، نعم : الوالي له أن يفعل ذلك إذا رأى المصلحة فيه وأقول : له أن يأمر بكسر الظروف التي فيها الخمور زجرا ، [ 1 ] وقد فعل ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأكيدا للزجر ، ولم يثبت نسخه ، ولكن كانت الحاجة إلى الزجر والفطام شديدة ، فإذا رأى الوالي باجتهاده مثل تلك الحاجة جاز له مثل ذلك ، وإذا كان هذا منوطا بنوع اجتهاد دقيق ، لم يكن ذلك لآحاد الرعية فإن قلت : فليجز للسلطان زجر الناس عن المعاصي ، بإتلاف أموالهم ، وتخريب دورهم التي فيها يشربون ويعصون ، وإحراق أموالهم التي بها يتوصلون إلى المعاصي فاعلم ، أن ذلك لو ورد الشرع به ، لم يكن خارجا عن سنن المصالح ، ولكنا لا نبتدع المصالح بل نتبع فيها ، وكسر ظروف الخمر قد ثبت عند شدة الحاجة ، وتركه بعد ذلك لعدم شدة الحاجة لا يكون نسخا ، بل الحكم يزول بزوال العلة ، ويعود بعودها ، وإنما جوزنا ذلك للامام بحكم الاتباع ، ومنعنا آحاد الرعية منه ، لخفاء وجه الاجتهاد فيه ، بل نقول لو أريقت الخمور أولا ، فلا يجوز كسر الأواني بعدها ، وإنما جاز كسرها تبعا للخمر ، فإذا خلت عنها فهو إتلاف مال ، إلا أن تكون ضارية بالخمر لا تصلح إلا لها ، فكان الفعل المنقول عن العصر الأول كان مقرونا بمعنيين .
أحدهما : شدة الحاجة إلى الزجر ، والآخر : تبعية الظروف للخمر التي هي مشغولة بها وهما معنيان مؤثران لا سبيل إلى حذفهما ، ومعنى ثالث . وهو صدوره عن رأى صاحب الأمر لعلمه بشدة الحاجة إلى الزجر ، وهو أيضا مؤثر ، فلا سبيل إلى إلغائه فهذه تصرفات دقيقة فقهية ، يحتاج المحتسب لا محالة إلى معرفتها
شرح
[ 1 ] حديث تكسير الظروف التي فيها الخمور في زمنه صلى الله عليه وسلم : الترمذي من حديث أبي طلحة أنه قال يا نبي الله انى اشتريت خمرا لأيتام في حجري قال أهرق الخمر واكسر الدنان وفيه ليث ابن أبي سليم والأصح رواية السدي عن يحيى بن عباد عن أنس ان أبا طلحة كان عندي قاله الترمذي .