تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
الدرجة الثالثة النهى بالوعظ والنصح والتخويف باللَّه تعالى وذلك فيمن يقدم على الأمر وهو عالم بكونه منكرا ، أو فيمن أصرّ عليه بعد أن عرف كونه منكرا ، كالذي يواظب على الشرب أو على الظلم . أو على اغتياب المسلمين ، أو ما يجرى مجراه فينبغي أن يوعظ ويخوف باللَّه تعالى وتورد عليه الأخبار الواردة بالوعيد في ذلك ، وتحكي له سيرة السلف ، وعبادة المتقين وكل ذلك بشفقة ولطف من غير عنف وغضب ، بل ينظر إليه نظر المترحم عليه ، ويرى إقدامه على المعصية مصيبة على نفسه ، إذ المسلمون كنفس واحدة ، وهاهنا آفة عظيمة ينبغي أن يتوقاها ، فإنها مهلكة ، وهي أن العالم يرى عند التعريف عز نفسه بالعلم وذل غيره بالجهل ، فربما يقصد بالتعريف الإذلال وإظهار التمييز بشرف العلم ، وإذلال صاحبه بالنسبة إلى خسة الجهل ، فإن كان الباعث هذا فهذا المنكر أقبح في نفسه من المنكر الذي يعترض عليه ، ومثال هذا المحتسب مثال من يخلص غيره من النار بإحراق نفسه ، وهو غاية الجهل ، وهذه مذلة عظيمة ، وغائلة هائلة ، وغرور للشيطان يتدلى بحبله كل إنسان ، إلا من عرفه الله عيوب نفسه ، وفتح بصيرته بنور هدايته فإن في الاحتكام على الغير لذة للنفس عظيمة من وجهين ، إحداهما : من جهة دالة العلم ، والآخر من جهة دالة الاحتكام والسلطنة ، وذلك يرجع إلى الرياء ، وطلب الجاه ، وهو الشهوة الخفية الداعية إلى الشرك الخفي ، وله محك ومعيار ينبغي أن يمتحن المحتسب به نفسه ، وهو أن يكون امتناع ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه ، أو باحتساب غيره ، أحب إليه من امتناعه باحتسابه ، فإن كانت الحسبة شاقة عليه ، ثقيلة على نفسه ، وهو يود أن يكفي بغيره ، فليحتسب فإن باعثه هو الدين ، وإن كان اتعاظ ذلك العاصي بوعظه ، وانزجاره بزجره ، أحب إليه من اتعاظه بوعظ غيره ، فما هو إلا متبع هوى نفسه ، ومتوسل إلى إظهار جاه نفسه بواسطة حسبته ، فليتق الله تعالى ، وليحتسب أوّلا على نفسه ، وعند هذا يقال ما قيل لعيسى عليه السلام ، يا ابن مريم : عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس ، وإلا فاستحى منى وقيل لداود الطائي رحمه الله ، أرأيت رجلا دخل على هؤلاء الأمراء ، فأمرهم بالمعروف