تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
لأن الدرهم الذي له هو يستحق حفظه ، كما يستحق صاحب الألف حفظ الألف ، ولا سبيل للمصير إلى ذلك ، فأما إذا كان فوات المال بطريق هو معصية كالغصب ، أو قتل عبد مملوك للغير ، فهذا يجب المنع منه ، وإن كان فيه تعب ما ، لأن المقصود حق الشرع ، والغرض دفع المعصية ، وعلى الإنسان أن يتعب نفسه في دفع المعاصي كما عليه أن يتعب نفسه في ترك المعاصي والمعاصي كلها في تركها تعب ، وإنما الطاعة كلها ترجع إلى مخالفة النفس ، وهي غاية التعب ، ثم لا يلزمه احتمال كل ضرر ، بل التفصيل فيه كما ذكرناه من درجات المحذورات التي يخافها المحتسب وقد اختلف الفقهاء في مسألتين ، تقربان من غرضنا إحداهما : أن الالتقاط هل هو واجب ، واللقطة ضائعة ، والملتقط مانع من الضياع وساع في الحفظ ، والحق فيه عندنا أن يفصل ويقال : إن كانت اللقطة في مواضع لو تركها فيه لم تضع ، بل يلتقطها من يعرفها ، أو تترك كما لو كان في مسجد ، أو رباط ، يتعين من يدخله وكلهم أمناء ، فلا يلزمه الالتقاط ، وإن كانت في مضيعة نظر ، فإن كان عليه تعب في حفظها ، كما لو كانت بهيمة وتحتاج إلى علف وإصطبل ، فلا يلزمه ذلك ، لأنه إنما يحب الالتقاط لحق المالك ، وحقه بسبب كونه إنسانا محترما ، والملتقط أيضا إنسان ، وله حق في أن لا يتعب لأجل غيره ، كما لا يتعب غيره لأجله ، فإن كانت ذهبا أو ثوبا أو شيئا لا ضرر عليه فيه إلا مجرد تعب التعريف ، فهذا ينبغي أن يكون في محل الوجهين ، فقائل يقول : التعريف والقيام بشرطه فيه تعب ، فلا سبيل إلى إلزامه ذلك ، إلا أن يتبرع فيلتزم طلبا للثواب ، وقائل يقول : إن هذا القدر من التعب مستصغر بالإضافة إلى مراعاة حقوق المسلمين ، فينزل هذا منزلة تعب الشاهد في حضور مجلس الحكم ، فإنه لا يلزمه السفر إلى بلدة أخرى ، إلا أن يتبرع به ، فإذا كان مجلس القاضي في جواره لزمه الحضور ، وكان التعب بهذه الخطوات لا يعد تعبا في غرض إقامة الشهادة ، وأداء الأمانة ، وإن كان في الطرف الآخر من البلد ، وأحوج إلى الحضور في الهاجرة وشدة الحر ، فهذا قد يقع في محل الاجتهاد والنظر ، فإن الضرر الذي ينال الساعي في حفظ حق الغير له طرف في القلة لا يشك في أنه لا يبالي به وطرف في الكثرة ، لا يشك في أنه لا يلزم احتماله ، ووسط يتجاذبه الطرفان