فإنا لا نقصد منع الجرة وحراستها من أن تصير كاسرة للقارورة ، ونمنع المجنون من الزنا وإتيان البهيمة ، وشرب الخمر ، وكذا الصبي لا صيانة للبهيمة المأتية ، أو الخمر المشروب ، بل صيانة للمجنون عن شرب الخمر ، وتنزيها له من حيث إنه إنسان محترم فهذه لطائف دقيقة لا يتفطن لها إلا المحققون فلا ينبغي أن يغفل عنها ، ثم فيما يجب تنزيه الصبي والمجنون عنه نظر ، إذ قد يتردد في منعهما من لبس الحرير وغير ذلك ، وسنتعرض لما نشير إليه في الباب الثالث فإن قلت : فكل من رأى بهائم قد استرسلت في زرع إنسان فهل يجب عليه إخراجها وكل من رأى ما لا لمسلم أشرف على الضياع ، هل يجب عليه حفظه ، فإن قلتم إن ذلك واجب ، فهذا تكليف شطط ، يؤدى إلى أن يصير الإنسان مسخرا لغيره طول عمره ، وإن قلتم لا يجب فلم يجب الاحتساب على من يغصب مال غيره وليس له سبب سوى مراعاة مال الغير فنقول : هذا بحث دقيق غامض ، والقول الوجيز فيه أن نقول : مهما قدر على حفظه من الضياع ، من غير أن يناله تعب في بدنه ، أو خسران في ماله ، أو نقصان في جاهه ، وجب عليه ذلك ، فذلك القدر واجب في حقوق المسلم ، بل هو أقل درجات الحقوق ، والأدلة الموجبة لحقوق المسلمين كثيرة ، وهذا أقل درجاتها ، وهو أولى بالإيجاب من رد السلام فإن الأذى في هذا أكثر من الاذي في ترك رد السلام ، بل لا خلاف في أن مال الإنسان إذا كان يضيع بظلم ظالم ، وكان عنده شهادة لو تكلم بها لرجع الحق إليه ، وجب عليه ذلك وعصى بكتمان الشهادة ، ففي معنى ترك الشهادة ترك كل دفع لا ضرر على الدافع فيه ، فأما إن كان عليه تعب أو ضرر في مال أو جاه لم يلزمه ذلك ، لأن حقه مرعى في منفعة بدنه ، وفي ماله وجاهه ، كحق غيره ، فلا يلزمه أن يفدى غيره بنفسه ، نعم الإيثار مستحب ، وتجشم المصاعب لأجل المسلمين قربة ، فأما إيجابها فلا ، فإذا إن كان يتعب بإخراج البهائم عن الزرع لم يلزمه السعي في ذلك ، ولكن إذا كان لا يتعب بتنبيه صاحب الزرع من نومه أو بإعلامه يلزمه ذلك ، فإهمال تعريفه وتنبيهه كإهماله تعريف القاضي بالشهادة ، وذلك لا رخصة فيه ، ولا يمكن أن يراعى فيه الأقل والأكثر ، حتى يقال إن كان لا يضيع من منفعته في مدة اشتغاله بإخراج البهائم ، إلا قدر درهم مثلا . وصاحب الزرع يفوته مال كثير ، فيترجح جانبه
إحياء علوم الدين — صفحة 42
مساهمون: الغزالي
ص٤٢