وأما الجاه : فهو أن يؤذيه شرير ، ولا يجد سبيلا إلى دفع شره إلا بجاه يكتسبه من سلطان ولا يقدر على التوصل إليه إلا بواسطة شخص يلبس الحرير ، أو يشرب الخمر ولو احتسب عليه لم يكن واسطة ، ووسيلة له ، فيمتنع عليه حصول الجاه ، ويدوم بسببه أذى الشرير فهذه الأمور كلها إذا ظهرت وقويت لم يبعد استثناؤها ، ولكن الأمر فيها منوط باجتهاد المحتسب ، حتى يستفتى فيها قلبه ، ويزن أحد المحذورين بالآخر ، ويرجح بنظر الدين لا بموجب الهوى والطبع ، فإن رجح بموجب الدين سمي سكوته مداراة ، وإن رجح بموجب الهوى سمى سكوته مداهنة ، وهذا أمر باطن لا يطلع عليه إلا بنظر دقيق ، ولكن الناقد بصير ، فحق على كل متدين فيه أن يراقب قلبه ، ويعلم أن الله مطلع على باعثه وصارفة إنه الدين أو الهوى ، وستجد كل نفس ما عملت من سوء أو خير محضرا عند الله ولو في فلتة خاطر ، أو في فلتة ناظر من غير ظلم وجور ، فما الله بظلام للعبيد وأما القسم الثاني : وهو فوات الحاصل فهو مكروه ومعتبر في جواز السكوت في الأمور الأربعة إلا العلم ، فإن فواته غير مخوف إلا بتقصير منه ، وإلا فلا يقدر أحد على سلب العلم من غيره وإن قدر على سلب الصحة والسلامة والثروة والمال ، وهذا أحد أسباب شرف العلم ، فإنه يدوم في الدنيا ، ويدوم ثوابه في الآخرة ، فلا انقطاع له أبد الآباد وأما الصحة والسلامة : ففواتهما بالضرب ، فكل من علم أنه يضرب ضربا مؤلما يتأذى به في الحسبة لم تلزمه الحسبة ، وإن كان يستحب له ذلك كما سبق ، وإذا فهم هذا في الإيلام بالضرب ، فهو في الجرح والقطع والقتل أظهر وأما الثروة : فهو بأن يعلم أنه تنهب داره ، ويخرب بيته ، وتسلب ثيابه ، فهذا أيضا يسقط عنه الوجوب ، ويبقى الاستحباب إذ لا بأس بأن يفدي دينه بدنياه ، ولكل واحد من الضرب والنهب حد في القلة لا يكترث به كالحبة في المال ، واللطمة الخفيف ألمها في الضرب ، وحد في الكسرة يتعين اعتباره ، ووسط يقع في محل الاشتباه والاجتهاد ، وعلى المتدين أن يجتهد في ذلك ، ويرجح جانب الدين ما أمكن وأما الجاه : ففواته بأن يضرب ضربا غير مؤلم ، أو يسب على ملأ من الناس ، أو يطرح
إحياء علوم الدين — صفحة 32
مساهمون: الغزالي
ص٣٢