تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
المعتدل الطبع ، فلا التفات إلى الطرفين ، وعلى الجبان أن يتكلف إزالة الجبن إزالة علته ، وعلته جهل أو ضعف ، ويزول الجهل بالتجربة ، ويزول الضعف بممارسة الفعل المخوف منه تكلفا حتى يصير معتادا ، إذ المبتدئ في المناظرة والوعظ مثلا قد يجبن عنه طبعه لضعفه ، فإذا مارس واعتاد فارقه الضعف ، فإن صار ذلك ضروريا غير قابل للزوال ، بحكم استيلاء الضعف على القلب ، فحكم ذلك الضعيف يتبع حاله فيعذر كما يعذر المريض في التقاعد عن بعض الواجبات ولذلك قد نقول على رأى لا يجب ركوب البحر لأجل حجة الإسلام على من يغلب عليه الجبن في ركوب البحر ، ويجب على من لا يعظم خوفه منه ، فكذلك الأمر في وجوب الحسبة فإن قيل : فالمكروه المتوقع ما حده ؟ فإن الإنسان قد يكره كلمة ، وقد يكره ضربة وقد يكره طول لسان المحتسب عليه في حقه بالغيبة ، وما من شخص يؤمر بالمعروف إلا ويتوقع منه نوع من الأذى ، وقد يكون منه أن يسعى به إلى سلطان ، أو يقدح فيه في مجلس يتضرر بقدحه فيه ، فما حد المكروه الذي يسقط الوجوب به قلنا : هذا أيضا فيه نظر غامض ، وصورته منتشرة ، ومجاريه كثيرة ، ولكنا نجتهد في ضم نشره وحصر أقسامه ، فنقول المكروه نقيض المطلوب ، ومطالب الخلق في الدنيا ترجع إلى أربعة أمور أما في النفس : فالعلم وأما في البدن : فالصحة والسلامة وأما في المال : فالثروة وأما في قلوب الناس : فقيام الجاه فإذا المطلوب العلم ، والصحة ، والثروة ، والجاه ، ومعنى الجاه ملك قلوب الناس ، كما أن معنى الثروة ملك الدراهم ، لأن قلوب الناس وسيلة إلى الأغراض ، كما أن ملك الدراهم وسيلة إلى بلوغ الأغراض ، وسيأتي تحقيق معنى الجاه ، وسبب ميل الطبع إليه في ربع المهلكات وكل واحدة من هذه الأربعة يطلبها الإنسان لنفسه ، ولاقاربه والمختصين به ، ويكره في هذه الأربعة أمران أحدهما . زوال ما هو حاصل موجود ، والآخر : امتناع ما هو منتظر مفقود ، أعنى اندفاع ما يتوقع وجوده ، فلا ضرر إلا في فوات حاصل وزواله ، أو تغويق منتظر ، فإن المنتظر عبارة عن الممكن حصوله ، والممكن حصوله كأنه حاصل