فقال له سليمان بن أبي جعفر : ما هذا الغضب يا أمير المؤمنين ؟ ابعث إلى صاحب الربع يضرب عنقه ، ويرم به في الدجلة ، فقال : لا ، ولكن نبعث إليه ونناظره أولا ، فجاء الرسول فقال أجب أمير المؤمنين ، فقال : نعم ، قال اركب قال : لا ، فجاء يمشى حتى وقف على باب القصر ، فقيل لهارون قد جاء الشيخ فقال للندماء : أي شيء ترون نرفع ما قدامنا من المنكر حتى يدخل هذا الشيخ ، أو نقوم إلى مجلس آخر ليس فيه منكر ، فقالوا له نقوم إلى مجلس آخر ليس فيه منكر أصلح ، فقاموا إلى مجلس ليس فيه منكر ، ثم أمر بالشيخ فأدخل وفي كمه الكيس الذي فيه النوى ، فقال له الخادم أخرج هذا من كمك ، وادخل على أمير المؤمنين ، فقال من هذا عشائي الليلة ، قال نحن نعشيك ، قال لا حاجة لي في عشائكم فقال هارون للخادم أي شيء تريد منه ، قال في كمه نوى ، قلت له أطرحه وادخل على أمير المؤمنين ، فقال دعه لا يطرحه قال فدخل وسلم وجلس ، فقال له هارون يا شيخ ما حملك على ما صنعت ، قال وأي شيء صنعت ؟ وجعل هارون يستحى أن يقول كسرت عودي ، فلما أكثر عليه ، قال إني سمعت أباك ، وأجدادك ، يقرؤن هذه الآية على المنبر * ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإِحْسانِ وإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ويَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ والْبَغْيِ ) * « 1 » وأنا رأيت منكرا فغيرته ، فقال فغيره فوالله ما قال إلا هذا ، فلما خرج أعطى الخليفة رجلا بدرة ، وقال اتبع الشيخ فإن رأيته يقول ، قلت لأمير المؤمنين وقال لي فلا تعطه شيئا ، وإن رأيته لا يكلم أحدا فأعطه البدرة ، فلما خرج من القصر إذا هو بنواة في الأرض قد غاصت فجعل يعالجها ولم يكلم أحدا ، فقال له يقول لك أمير المؤمنين خذ هذه البدرة فقال قل لأمير المؤمنين يردها من حيث أخذها ، ويروى أنه أقبل بعد فراغه من كلامه على النواة التي يعالج قلعها من الأرض ، وهو يقول
أرى الدنيا لمن هي في يديه
هموما كلما كثرت لديه
تهين المكرمين لها بصغر
وتكرم كل من هانت عليه
إذا استغنيت عن شيء فدعه
وخذ ما أنت محتاج إليه
هامش
« 1 » النحل : 90