قلنا : الكافر إن منع المسلم بفعله فهو تسلط عليه ، فيمنع من حيث إنه تسلط وما جَعَلَ الله للْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤمِنِينَ سَبِيلا وأما مجرد قوله . لا تزن فليس بمحرم عليه من حيث إنه نهى عن الزنا . ولكن من حيث إنه إظهار دالة الاحتكام على المسلم ، وفيه إذلال للمحتكم عليه ، والفاسق يستحق الإذلال ، ولكن لا من الكافر الذي هو أولى بالذل منه ، فهذا وجه منعنا إياه من الحسبة ، وإلا فلسنا نقول إن الكافر يعاقب بسبب قوله لا تزن من حيث إنه نهى ، بل نقول إنه إذا لم يقل لا تزن يعاقب عليه ، إن رأينا خطاب الكافر بفروع الدين ، وفيه نظر استوفيناه في الفقهيات ولا يليق بغرضنا الآن
الشرط الرابع :
كونه مأذونا من جهة الإمام والوالي ، فقد شرط قوم هذا الشرط ولم يثبتوا للآحاد من الرعية الحسبة ، وهذا الاشتراط فاسد ، فإن الآيات الأخبار التي أوردناها تدل على أن كل من رأى منكرا فسكت عليه عصى ، إذ يجب نهيه أينما رآه ، وكيفما رآه على العموم ، فالتخصيص بشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له والعجب أن الروافض زادوا على هذا فقالوا : لا يجوز الأمر بالمعروف ما لم يخرج الإمام المعصوم وهو الإمام الحق عندهم ، وهؤلاء أخس رتبة من أن يكلموا ، بل جوابهم أن يقال لهم ، إذا جاؤوا إلى القضاء طالبين لحقوقهم في دمائهم وأموالهم ، إن نصرتكم أمر بالمعروف واستخراج حقوقكم من أيدي من ظلمكم نهى عن المنكر ، وطلبكم لحقكم من جملة المعروف وما هذا زمان النهى عن الظلم ، وطلب الحقوق ، لأن الإمام الحق بعد لم يخرج فإن قيل في الأمر بالمعروف إثبات سلطنة ، وولاية ، واحتكام على المحكوم عليه ولذلك لم يثبت للكافر على المسلم مع كونه حقا ، فينبغي أن لا يثبت لآحاد الرعية إلا بتفويض من الولي وصاحب الأمر .
فنقول : أما الكافر فممنوع لما فيه من السلطنة وعز الاحتكام ، والكافر ذليل ، فلا يستحق أن ينال عز التحكم على المسلم ، وأما آحاد المسلمين فيستحقون هذا العز بالدين والمعرفة ، وما فيه من عز السلطنة ، والاحتكام لا يحوج إلى تفويض ، كعز التعليم والتعريف ، إذ لا خلاف في أن تعريف التحريم والإيجاب لمن هو جاهل ومقدم على المنكر بجهله لا يحتاج إلى إذن الوالي وفيه عز الإرشاد وعلى المعرف ذل التجهيل ، وذلك يكفي فيه مجرد الدين وكذلك النهى .
إحياء علوم الدين — صفحة 19
مساهمون: الغزالي
ص١٩