فإن انقدت لهما شكرت لمن أعانك لحرمتهما ، وإن استكبرت عنهما ولم تنقد لما لزمك منهما فإن الذي إليه أمرك ، وبيده عزك وذلَّك ، قد شرط أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا ، فقل الآن ما شئت ، فأعجب المأمون بكلامه ، وسر به ، وقال مثلك يجوز له أن يأمر بالمعروف فامض على ما كنت عليه بأمرنا ، وعن رأينا ، فاستمر الرجل على ذلك ففي سياق هذه الحكايات بيان الدليل على الاستغناء عن الإذن فإن قيل : أفتثبت ولاية الحسبة للولد على الوالد ، والعبد على المولى ، والزوجة على الزوج والتلميذ على الأستاذ ، والرعية على الوالي مطلقا ، كما يثبت للوالد على الولد ، والسيد على العبد والزوج على الزوجة ، والأستاذ على التلميذ ، والسلطان على الرعية ، أو بينهما فرق فاعلم أن الذي نراه أنه يثبت أصل الولاية ، ولكن بينهما فرق في التفصيل ، ولنفرض ذلك في الولد مع الوالد ، فنقول قد رتبنا للحسبة خمس مراتب ، وللولد الحسبة بالرتبتين الأوليين ، وهما التعريف ، ثم الوعظ والنصح باللطف ، وليس له الحسبة بالسب والتعنيف والتهديد ، ولا بمباشرة الضرب ، وهما الرتبتان الأخريان ، وهل له الحسبة بالرتبة الثالثة حيث تؤدى إلى أذى الوالد وسخطه ، هذا فيه نظر ، وهو بأن يكسر مثلا عوده ، ويريق خمره ويحل الخيوط عن ثيابه المنسوجة من الحرير ، ويرد إلى الملاك ما يجده في بيته من المال الحرام ، الذي غصبه أو سرقه أو أخذه إدرار رزق من ضريبة المسلمين ، إذا كان صاحبه معينا ويبطل الصور المنقوشة على حيطانه ، والمنقورة في خشب بيته ، ويكسر أواني الذهب والفضة ، فإن فعله في هذه الأمور ليس يتعلق بذات الأب بخلاف الضرب والسب ، ولكن الوالد يتأذى به ويسخط بسببه ، إلا أن فعل الولد حق ، وسخط الأب منشؤه حبه للباطل وللحرام ، والأظهر في القياس أنه يثبت للولد ذلك بل يلزمه أن يفعل ذلك ، ولا يبعد أن ينظر فيه إلى قبح المنكر ، وإلى مقدار الأذى والسخط فإن كان المنكر فاحشا وسخطه عليه قريبا كإراقة خمر من لا يشتد غضبه ، فذلك ظاهر وإن كان المنكر قريبا ، والسخط شديدا كما لو كانت له آنية من بلور أو زجاج على صورة حيوان ، وفي كسرها خسران مال كثير ، فهذا مما اشتد فيه الغضب ، وليس تجرى هذه المعصية مجرى الخمر وغيره ، فهذا كله مجال النظر
إحياء علوم الدين — صفحة 24
مساهمون: الغزالي
ص٢٤