تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
وشرح القول في هذا أن الحسبة لها خمس مراتب كما سيأتي ، أولها التعريف ، والثاني الوعظ بالكلام اللطيف ، والثالث : السب والتعنيف ، ولست أعنى بالسب الفحش ، بل أن يقول يا جاهل يا أحمق ألا تخاف الله ، وما يجرى هذا المجرى ، والرابع : المنع بالقهر بطريق المباشرة ، ككسر الملاهي ، وإراقة الخمر ، واختطاف الثوب الحرير من لابسه واستلاب الثوب المغصوب منه ورده على صاحبه ، والخامس : التخويف والتهديد بالضرب ومباشرة الضرب له ، حتى يمنع عما هو عليه ، كالمواظب على الغيبة والقذف ، فإن سلب لسانه غير ممكن ، ولكن يحمل على اختيار السكوت بالضرب ، وهذا قد يحوج إلى استعانة وجمع أعوان من الجانبين ، ويجر ذلك إلى قتال ، وسائر المراتب لا يخفى وجه استغنائها عن إذن الإمام الا المرتبة الخامسة ، فإن فيها نظرا سيأتي أما التعريف والوعظ فكيف يحتاج إلى إذن الإمام ، وأما التجهيل ، والتحميق ، والنسبة إلى الفسق ، وقلة الخوف من الله ، وما يجرى مجراه ، فهو كلام صدق ، والصدق مستحق بل أفضل الدرجات كلمة حق عند إمام جائر ، كما ورد في الحديث [ 1 ] فإذا جاز الحكم على الإمام على مراغمته فكيف يحتاج إلى إذنه ، وكذلك كسر الملاهي ، وإراقة الخمور ، فإنه تعاطى ما يعرف كونه حقا من غير اجتهاد ، فلم يفتقر إلى الإمام ، وأما جمع الأعوان ، وشهر الأسلحة فذلك قد يجر إلى فتنة عامة ، ففيه نظر سيأتي ، واستمرار عادات السلف على الحسبة على الولاة قاطع بإجماعهم على الاستغناء عن التفويض ، بل كل من أمر بمعروف ، فإن كان الوالي راضيا به فذاك وإن كان ساخطا له فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه ، فكيف يحتاج إلى إذنه في الإنكار عليه ويدل على ذلك عادة السلف في الإنكار على الأئمة ، كما روى [ 2 ] أن مروان بن الحكم خطب قبل صلاة العيد ، فقال له رجل إنما الخطبة بعد الصلاة ، فقال له مروان ، ترك ذلك يا فلان ، فقال أبو سعيد : أما هذا فقد قضى ما عليه ، قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم « من رأى منكم منكرا فلينكره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه
شرح
[ 1 ] حديث أفضل الجهاد كلمة حق عند امام جائر : أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة من حديث أبي سعيد الخدري [ 2 ] حديث ان مروان خطب قبل الصلاة في العيد - الحديث : وفيه حديث أبي سعيد مرفوعا من رأى منكر - الحديث : رواه مسلم