والرجوع فيها إلى الرواة لمعرفة حكمها عبارة عن الاستفتاء عنهم ؛ فإنّهم المفتون .
ثمّ إنّ التوقيع في مقام بيان الطريق لرفع الاحتياج في أمر الدين ، والاحتياج إلى الفتوى أكثر من الاحتياج إلى القضاء .
مضافاً إلى أنّ التعليل وهو قوله عليه السلام : « أنّهم حجّتي عليكم » عامّ يتناول لجميع ما يرجع إلى الإمام عليه السلام في أمر الدين ، فهو عليه السلام حجّة الله تعالى وهؤلاء حججه .
الطائفة الخامسة : النصوص الدالَّة على أمر الإمام بعض فقهاء صحابته بالإفتاء للناس ، مثل قول أبي جعفر عليه السلام لأبان بن تغلب : « اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس ؛ فإنّي أُحبّ أن يرى في شيعتي مثلك » « 1 » .
بيان : الإفتاء مقدّمة للعمل ، فإذا لم يكن عمل فلا يفيد الإفتاء ويكون الأمر بها لغواً . وأمر الإمام عليه السلام لأبان بالإفتاء يخبرنا عن وجود العامل بفتاوى أبان . فما أورد على الاستدلال به بأنّ إظهار الفتوى لا يدلّ على جواز أخذه واتّباعه غير وارد ؛ فإنّ الإفتاء بحكم إنّما يكون مقدّمة للعمل به واتّباعه ، ويشهد بذلك قوله عليه السلام في صحيحة الحذّاء : « ولحقه وزر من عمل بفتياه » « 2 » وقد مرّت ، فإنّ المفروض فيها ملازمة العمل للفتوى .
أضف إلى ذلك : أنّ مفهوم الإفتاء يغاير مفهوم إظهار الحقّ ؛ إذ النسبة بين المفهومين عموم وخصوص من وجه ، ومن هذا الباب خبر معاذ بن مسلم النحوي عن الصادق عليه السلام أنّه قال لي أبو عبد الله : « بلغني أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس » قلت : نعم ، وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج : إنّي أقعد في المسجد فيجيئني الرجل فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون ، ويجيئني الرجل أعرفه بمودّتكم وحبّكم فأخبره بما جاء عنكم ، ويجيئني الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو فأقول : جاء عن فلان كذا ، وجاء عن فلان كذا ، فأدخل قولكم فيما بين ذلك ،
هامش
« 1 » وسائل الشيعة ، ج 30 ، ص 291 باب الهمزة في أصول الرجال .
« 2 » وسائل الشيعة ، ج 27 ، ص 20 ، الباب 4 من أبواب صفات القاضي ، ح 1 .