مقام البيّنة :
أحدهما : إذا أفتى الطبيب الأفضل بلزوم عمل جراحي لمريض ؛ قائلًا : إن لم يؤت بهذا العمل وقع المريض في حفرة الموت .
وأفتى الطبيب المفضول بخلافه ؛ قائلًا : إنّه في هذا العمل خطر عظيم يسبّب هلاك المريض ، فهل ترى أنّ العقلاء يعملون في هذا الظرف برأي الأفضل طاعة عمياء ؟ ! وكذلك الكلام في عكس هذه الصورة .
ثانيهما : إذا قصدوا معرفة قيمة دار ، أو جوهرة فقوّمها المقوّم الأفضل بثمن قليل ، وقوّمها غيره بثمن كثير أضعاف ذلك الثمن ، فهل ترى أنّ العقلاء في هذه الصورة يعملون بقول الأفضل بلا تأمّل وتردّد ؟ ! وكذلك الكلام في عكس هذه الصورة .
ومن قبيل هذين الشاهدين تجد شهوداً أُخرى من سيرة العقلاء عند اختلاف الخبراء . وإن كنت طالباً لمعرفة سيرة العقلاء في مثل هذه الأحوال ، وهي صور العلم التفصيلي باختلاف الخبراء في الرأي عند ابتلائهم به فاصغ لما نتلو عليك :
إنّ سيرة العقلاء في هذا الأمر هو التعويل على الوثوق والاطمئنان بأي رأي حصل ، ومن أي طريق حصل ، فالرأي الموثوق به هو الذي يعملون به وإن كان صادراً من المفضول ، ومخالفاً للاحتياط .
وإذا لم يحصل لهم وثوق برأي فعملهم على الاحتياط ، سواء أكان أحد الرأيين موافقاً للاحتياط ، أو كان كلا الرأيين مخالفاً له ؛ فإنّ ذلك أيضاً مصداق لذلك الكلَّي ، وهو التعويل على الوثوق .
فإذا لم يكن الاحتياط فالعمل عندهم على أقوى الاحتمالين ، أو على التخيير عند تساويهما .
واعلم أنّ العقلاء ليس لهم طريق تعبّدي محض بمعنى أنّهم يعملون بخبر لا يفيد الوثوق .
وأمّا عملهم بقول أهل الخبرة فمن جهة إفادته الوثوق عندهم .
فإذا تعارض رأي الأفضل مع رأي غيره تزحزح الوثوق الذي يحصل من
الإجتهاد والتقليد — صفحة 172
مساهمون: السيد رضا الصدر
ص١٧٢