في المبحث الأول انه متفق عليه ولم يخالف في ذلك الا من لا يعتد به ومن نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم وجدهم متفقين على العمل بالراجح وترك المرجوح وقد سمى بعضهم هذا المخالف في العمل بالترجيح فقال هو البصري الملقب كما حكاه القاضي واستبعد الأنباري وقوع ذلك من مثله وعلى كل حال فهو مسبوق بالاجماع على استعمال الترجيح في كل طبقة من طبقات الاسلام وشرط القاضي في الترجيح شرطا غير ما قد ذكرناه في المبحث الأول فقال لا يجوز العمل بالترجيح المظنون لأن الأصل امتناع العمل بشيء من الظنون وخرج من ذلك الظنون المستقلة بأنفسها لانعقاد اجماع الصحابة عليها وما وراء ذلك يبقى على الأصل والترجيح عمل يظن لا يستقل بنفسه وأجيب عنه بأن الاجماع انعقد على وجوب العمل بالظن الذي لا يستقل كما انعقد على المستقل ومن شروط الترجيح التي لا بد من اعتبارها ان لا يمكن الجمع بين المتعارضين بوجه مقبول فان أمكن ذلك تعين المصير إليه ولم يجز المصير إلى التراجيح قال في المحصول العمل بكل منهما من وجه أولى من العمل بالراجح من كل وجه وترك الآخر انتهى وبه قال الفقهاء جميعا واعلم أن الترجيح قد يكون باعتبار الاسناد وقد يكون باعتبار المتن وقد يكون باعتبار المدلول وقد يكون باعتبار أمر خارج فهذه أربعة أنواع والنوع الخامس الترجيح بين الأقيسة والنوع السادس الترجيح بين الحدود السمعية
النوع الأول الترجيح باعتبار الاسناد وله صور الصورة الأولى الترجيح بكثرة الرواة فيرجح ما رواته أكثر على ما رواته أقل لقوة الظن به واليه ذهب الجمهور وذهب الشافعي في القديم إلى أنهما سواء وشبهه بالشهادات وبه قال الكرخي قال إمام الحرمين ان لم يمكن الرجوع إلى دليل آخر قطع باتباع الأكثر فإنه أولى من الالغاء لأنا نعلم أن الصحابة لو تعارض لهم خبران هذه صفتهما لم يعطلوا الواقعة بل كانوا يقدمون هذا قال واما إذا كان في المسألة قياس وخبران متعارضان كثرت رواة أحدهما فالمسألة ظنية والاعتماد على ما يؤدي إليه اجتهاد الناظر وفي المسألة قول رابع صار فيه القاضي والغزالي وهو ان الاعتماد على ما غلب على ظن المجتهد فرب عدل أقوى في النفس من عدلين لشدة يقظته وضبطه انتهى وهذا صحيح لكن المفروض في الترجيح بالكثرة هو كون الأكثر من الرواة مثل الأقل في وصف العدالة ونحوها قال ابن دقيق العيد هو المرجح من أقوى المرجحات فإن الظن يتأكد عند ترادف الروايات ولهذا يقوى الظن إلى أن يصير العلم به متواتر انتهى ما لو تعارضت الكثرة من جانب والعدالة من الجانب الآخر ففيه قولان أحدهما ترجيح الكثرة وثانيهما ترجيح العدالة فإنه رب عدل يعدل الف رجل في الثقة كما قيل إن شعبة بن الحجاج كان يعدل مائة وقد كان الصحابة يقدمون رواية الصديق على رواية غيره النوع الثاني انه يرجح ما كانت الوسائط فيه قليلة وذلك بأن يكون اسناده عاليا لان الخطأ والغلط فيما كانت وسائطه أقل دون ما كانت وسائطه أكثر النوع الثالث انها ترجح رواية الكبير على رواية الصغير لأنه أقرب إلى الضبط إلا أن يعلم أن الصغير مثله في الضبط أو أكثر ضبطا منه النوع الرابع ترجح رواية من كان فقيها على من لم يكن كذلك لأنه اعرف بمدلولات الألفاظ النوع الخامس انه ترجح رواية من كان عالما باللغة العربية لأنه اعرف بالمعنى ممن لم يكن كذلك النوع السادس
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 276
مساهمون: الشوكاني
ص٢٧٦