الا بعد تحليفه وقبل أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة لموافقة محمد بن مسلمة له وقبل
عمر خبر أبي موسى في الاستئذان لموافقة أبي سعيد الخدري له الثاني ان الظنين إذا تعارضا ثم ترجح أحدهما على الآخر كان العمل بالراجح متعينا عرفا فيجب شرعا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن الثالث انه لو لم يعمل بالراجح لزم العمل بالمرجوح على الراجح وترجيح المرجوح على الراجح ممتنع في بداهة العقل
واحتج المنكر بأمرين أحدهما ان الترجيح لو اعتبر في الأمارات لاعتبر في البينات والحكومات لأنه لو اعتبر لكانت العلة في اعتباره ترجح الأظهر على الظاهر وهذا المعنى قائم هنا الثاني ان قوله تعالى « فاعتبروا يا أولي الأبصار » وقوله صلى الله عليه وآله وسلم نحن نحكم بالظاهر يقتضي الغاء زيادة الظن والجواب عن الأول والثاني ان ما ذكرتموه دليل ظني وما ذكرناه قطعي والظني لا يعارض القطعي انتهى وما ذكره من الأحاديث ههنا صحيح الا حديث ما رآه المسلمون حسنا وحديث نحن نحكم بالظاهر فلا أصل لهما لكن معناهما صحيح وقد ورد في أحاديث آخر ما يفيد ذلك كله كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم للعباس لما قال له انه خرج يوم بدر مكرها فقال كان ظاهرك علينا وكما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم انما اقضي بما اسمع وكما في أمره صلى
الله عليه وآله وسلم بلزوم الجماعة وذم من خرج عنها وأمره بلزوم السواد الأعظم
ويجاب عما ذكره المنكرون بجواب أحسن مما ذكره اما عن الأول فيقال نحن نقول بموجب ما ذكرتم فإذا ظهر الترجيح لإحدى البينتين على الأخرى أو لأحد الحكمين على الآخر كان العمل على الراجح وأما عن الثاني فيقال لا دلالة على محل النزاع في الآية بوجه من الوجوه واما قوله نحن نحكم بالظاهر فلا يبقى الظاهر ظاهرا بعد وجود ما هو أرجح منه
المبحث الثاني انه لا يمكن التعارض بين دليلين قطعيين اتفاقا سواء كانا عقليين أو نقليين هكذا حكى الاتفاق الزركشي في البحر قال الرازي في المحصول الترجيح لا يجوز في الأدلة اليقينية لوجهين الأول ان شرط اليقيني ان يكون مركبا من مقدمات ضرورية أو لازمة عنها لزوما ضروريا اما بواسطة واحدة أو وسائط شأن كل واحدة منها ذلك وهذا لا يتأتى إلا عند اجتماع علوم أربعة الأول العلم الضروري بحقية المقدمات إما ابتداء أو انتهاء والثاني العلم الضروري بأن ما يلزم عن الضروري لزوما ضروريا فهو ضروري فهذه العلوم الأربعة يستحيل حصولها في النقيضين معا والا لزم القدح في الضروريات وهو سفسطة وإذا علم ثبوتها امتنع التعارض الثاني الترجيح عبارة عن التقوية والعلم اليقيني لا يقبل التقوية لأنه ان قارنه احتمال النقيض ولو على ابعد الوجوه كان ظنا لا علما وان لم يقارنه ذلك لم يقبل التقوية انتهى وقد جعل أهل المنطق شروط التناقض في القضايا الشخصية ثمانية اتحاد الموضوع والمحمول والإضافة والكل والجزء في القوة والفعل وفي الزمان والمكان وزاد بعض المتأخرين شرطا تاسعا وهو اتحادهما في الحقيقة والمجاز نحو قوله تعالى « وترى الناس سكارى وما هم بسكارى » ورد هذا بعضهم بأنه راجع إلى وحدة الإضافة أي تراهم بالإضافة إلى أهوال يوم القيامة سكارى مجازا وما هم بسكارى بالإضافة إلى الخمر ومنهم من رد الثمانية إلى ثلاثة الاتحاد في الموضوع والمحمول والزمان ومنه من ردها إلى اثنين الاتحاد في الموضوع والمحمول لاندراج وحدة الزمان تحت وحدة المحمول ومنهم من ردها إلى أمر واحد
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 274
مساهمون: الشوكاني
ص٢٧٤