وهو الاتحاد في النسبة وهذه الشروط على هذا الاختلاف فيها لا يخص الضروريات وانما ذكرناها ههنا لمزيد الفائدة بها ومما لا يصح التعارض فيه إذا كان أحد المتناقضين قطعيا والآخر ظنيا لأن الظن ينتفي بالقطع بالنقيض وانما يتعارض الظنيان سواء كان المتعارضان نقليين أو عقليين أو كان أحدهما نقليا والآخر عقليا ويكون الترجيح بينهما بما سيأتي
وقد منع جماعة وجود دليلين ينصبهما الله تعالى في مسألة متكافئين في نفس الأمر بحيث لا يكون لأحدهما مرجح وقالوا لا بد ان يكون أحدهما أرجح من الآخر في نفس الأمر وان جاز خفاؤه على بعض المجتهدين ولا يجوز تعارضهما في نفس الأمر من كل وجه قال الكيا وهو الظاهر من مذهب عامة الفقهاء وبه قال العنبري وقال ابن السمعاني هو مذهب الفقهاء ونصره وحكاه الآمدي عن أحمد بن حنبل وحكاه عن أحمد القاضي وأبو الخطاب من أصحابه واليه ذهب أبو علي وأبو هاشم ونقل عن القاضي أبي بكر الباقلاني قال الكيا وهو المنقول عن الشافعي وقرره الصيرفي في شرح الرسالة فقال قد صرح الشافعي بأنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابدا حديثان صحيحان متضادان ينفي أحدهما ما يثبته الآخر من غير جهة الخصوص والعموم والاجمال والتفسير إلا على وجه النسخ وإن لم يجده انتهى وفصل القاضي من الحنابلة بين مسائل الأصول فيمتنع وبين مسائل الفروع فيجوز وحكى الماوردي والروياني عن الأكثرين أن التعارض على جهة التكافؤ في نفس الأمر بحيث لا يكون أحدهما أرجح من الآخر جائز وواقع وقال القاضي أبو بكر والأستاذ أبو منصور والغزالي وابن الصباغ لترجيح بين الظواهر المتعارضة انما يصح على قول من قال إن المصيب في الفروع واحد واما القائلون بان كل مجتهد مصيب فلا معنى لترجيح ظاهر على ظاهر لان الكل صواب عنده واختار الفخر الرازي واتباعه ان تعادل الأمارتين على حكم في فعلين متباينين جائز وواقع واما تعارضهما متباينين في فعل واحد كالإباحة والتحريم فإنه جائز عقلا ممتنع شرعا
واختلفوا على فرض وقوع التعادل في نفس الأمر مع عجز المجتهد عن الترجيح بينهما وعدم وجود دليل آخر فقيل إنه مخير وبه قال أبو علي وأبو هاشم ونقله الرازي والبيضاوي عن القاضي أبي بكر الباقلاني وقيل إنهما يتساقطان ويطلب الحكم من موضع آخر أو يرجع المجتهد إلى عموم أو إلى البراءة الأصلية ونقله الكيا عن القاضي ونقله الأستاذ أبو منصور عن أهل الظاهر وبه قطع ابن كج وأنكر ابن حزم نسبته إلى الظاهرية وقال انما هو قول بعض شيوخنا وهو خطأ بل الواجب الأخذ بالزائد إذا لم يقدر على استعمالهما جمعيا وقيل إن كان التعارض بين حديثين تساقطا ولا يعمل بواحد منهما وان
كان بين قياسين فيخير حكاه ابن برهان في الوجيز عن القاضي ونصره وقيل بالوقف حكاه الغزالي وجزم به سليم الرازي في التقريب واستبعده الهندي إذ الوقف فيه لا إلى غاية وأمد إذ لا يرجى فيه ظهور الرجحان والا لم يكن من مسألتنا بخلاف التعادل الذهني فإنه يتوقف إلى أن يظهر المرجح وقيل يأخذه بالأغلظ حكاه الماوردي والروياني وقيل يصير إلى التوزيع إن أمكن تنزيل كل أمارة على أمر حكاه الزركشي في البحر وقيل إن كان بالنسبة إلى الواجبات فالتخيير وان كان في الإباحة كالتحريم فالتساقط والرجوع إلى البراءة الأصلية ذكره في المستصفى وقيل يقلد عالما أكبر منه ويصير كالعامي لعجزه عن الاجتهاد وحكاه إمام الحرمين وقيل إنه كالحكم قبل ورود الشرع فتجيء فيه الأقوال المشهورة حكاه الكيا الطبري فهذه تسعة مذاهب فيما كان متعارضا في نفس الأمر مع عدم امكان الترجيح
المبحث الثالث في وجوه الترجيح بين المتعارضين لا في نفس الأمر بل في الظاهر وقد قدمنا
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 275
مساهمون: الشوكاني
ص٢٧٥