الحالة الرابعة اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم وذلك كتعليل كون حد الشرب ثمانين بأنه مظنة القذف لكونه مظنة الافتراء فوجب ان يقام مقامه قياسا على الخلوة فإنها لما كانت مظنة الوطء أقيمت مقامه وهذا كالذي قبله
القسم الثاني ما علم الغاء الشرع له كما قال بعضهم بوجوب الصوم ابتداء في كفارة الملك الذي واقع في رمضان لأن القصد منها الانزجار وهو لا ينزجر بالعتق فهذا وان
كان قياسا لكن الشرع ألغاه حيث أوجب الكفارة مرتبة من غير فصل بين المكلفين فالقول به مخالف للنص فكان باطلا
القسم الثالث ما لا يعلم اعتباره ولا إلغاؤه وهو الذي لا يشهد له أصل معين من أصول الشريعة بالاعتبار وهو المسمى بالمصالح المرسلة وقد اشتهر انفراد المالكية بالقول به قال الزركشي وليس كذلك فإن العلماء في جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة ولا معنى للمصلحة المرسلة الا ذلك قال الفخر الرازي في المحصول وبالجملة فالأوصاف انما يلتفت إليها إذا ظن التفات الشرع إليها وكل ما كان التفات الشرع إليه أكثر كان ظن كونه معتبرا أقوى وكلما كان الوصف والحكم أخص كان ظن كون ذلك الوصف معتبرا في حق ذلك الحكم أكد فيكون لا محالة مقدما على ما يكون أعم منه واما المناسب الذي علم أن الشرع ألغاه فهو غير معتبر أصلا وأما المناسب الذي لا يعلم أن الشارع ألغاه أو اعتبره فذلك يكون بحسب أوصاف هي أخص من كونه وصفا مصلحيا والا فعموم كونه وصفا مصلحيا مشهود له بالاعتبار وهذا القسم المسمى بالمصالح المرسلة انتهى قال ابن الحاجب في مختصر المنتهى وغير المعتبر هو المرسل فإن كان غريبا أو ثبت إلغاؤه فمردود اتفاقا وان كان ملائما فقد صرح الإمام والغزالي بقبوله وذكر عن مالك والشافعي والمختار رده وشرط الغزالي فيه أن تكون المصلحة ضرورية قطعية كلية انتهى وسنذكر للمصالح المرسلة بحثا مستقلا في الفصل السابع إن شاء الله
واعلم أن المناسب اما مؤثر أو غير مؤثر وغير المؤثر اما ملائم أو غير ملائم اما غريب أو مرسل أو ملغى الصنف الأول المؤثر وهو ان يدل النص أو الاجماع على كونه علة تدل على تأثير عين الوصف في عين الحكم أو نوعه في نوعه الصنف الثاني الملائم وهو ان يعتبر الشارع عينه في عين الحكم بترتيب الحكم على وفق الوصف لا بنص ولا اجماع وسمي ملائما لكونه موافقا لما اعتبره الشارع وهذه المرتبة دون ما قبلها الصنف الثالث الغريب وهو أن يعتبر عينه في عين الحكم بترتيب الحكم على وفق الوصف فقط ولا يعتبر عين الوصف في جنس الحكم ولا عينه ولا جنسه في جنسه بنص ولا اجماع كالاسكار في تحريم الخمر فإنه اعتبر عين الاسكار في عين الحكم بترتيب التحريم على
الاسكار فقط ومن أمثلة الغريب توريث المبتوتة في مرض الموت الحاقا بالقاتل الممنوع من الميراث تعليلا بالمعارضة بنقيض القصد فان المناسبة ظاهرة لكن هذا النوع من المصلحة لم يعهد اعتباره في غير هذا الخاص فكان غريبا لذلك الصنف الرابع المرسل غير الملائم وقد عرفت مما تقدم من كلام ابن الحاجب الاتفاق على رده وحكاه غير عن الأكثرين الصنف الخامس الغريب غير الملائم وهو مردود بالاتفاق واختلفوا هل تنخرم المناسبة بالمعارضة التي تدل على وجود مفسدة أو فوات مصلحة تساوي المصلحة أو ترجح عليها على قولين الأول انها تنخرم واليه ذهب الأكثرون واختاره الصيدلاني وابن الحاجب لان دفع المفاسد مقدم على جلب
إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول — صفحة 218
مساهمون: الشوكاني
ص٢١٨