وإن لم تجد أعوانا فكف يدك واحقن دمك حتى تلحق بي مظلوما " فلما توفي
رسول الله صلى الله عليه وآله اشتغلت بدفنه والفراغ من شأنه ثم آليت يمينا ( 1 ) أني لا أرتدي
إلا للصلاة حتى أجمع القرآن ففعلت ، ثم أخذته وجئت به فأعرضته عليهم قالوا :
لا حاجة لنا به ، ثم أخذت بيد فاطمة ، وابني الحسن والحسين ، ثم درت على أهل
بدر ، وأهل السابقة ، فأنشدتهم حقي ، ودعوتهم إلى نصرتي ، فما أجابني منهم إلا
أربعة رهط : سلمان ، وعمار والمقداد ، وأبو ذر ، وذهب من كنت أعتضد بهم على
دين الله من أهل بيتي ، وبقيت بين حفيرين قريبي العهد بجاهلية عقيل والعباس .
فقال له الأشعث : كذلك كان عثمان لما لم يجد أعوانا كف يده حتى قتل .
فقال له أمير المؤمنين : يا بن الخمارة ليس كما قست ، إن عثمان جلس في غير
مجلسه ، وارتدى بغير ردائه ، صارع الحق ، فصرعه ألحق ، والذي بعث محمدا بالحق
لو وجدت يوم بويع أخو تيم أربعين رهط لجاهدتهم في الله إلى أن أبلي عذري ثم قال :
أيها الناس إن الأشعث لا يزن عند الله جناح بعوضة ، وإنه أقل في دين الله
من عفطة عنز ( 2 ) .
وروى جماعة من أهل النقل من طرق مختلفة عن ابن عباس قال : كنت
عند أمير المؤمنين بالرحبة ( 3 ) فذكرت الخلافة وتقدم من تقدم عليه
هامش
( 1 ) آليت : أقسمت .
( 2 ) العفطة من الشاة : كالعطس من الإنسان .
( 3 ) تجد هذه الخطبة في ج 1 من نهج البلاغة ص 25 وهي الخطبة المعروفة
ب " الشقشقية " لقوله " ع " في جواب ابن عباس : " هيهات هيهات تلك شقشقة هدرت
ثم قرت " وتعرف أيضا " بالمقمصة " لقوله عليه السلام : " أما والله لقد تقمصها ابن
أبي قحافة " تسمية للشئ بأشهر ألفاظه كما هو الحال في أسماء سور القرآن الكريم كسورة
آل عمران ، والرحمن ، والواقعة ، ويس وغيرها .
وهذه الخطبة الجليلة في حسن أسلوبها ، وبديع نظمها ، وفصاحة ألفاظها ، دليل
لا يقبل التردد ، ولا يتطرق إليه الشك في كونها صادرة عن مركز الثقل الإلهي ، ومعدن
الوصاية والإمامة ، فهي حقا كما قيل : " فوق كلام المخلوق دون كلام الخالق "
وقد رواها الشيخ المفيد في الإرشاد ص 137 وقال ابن أبي الحديد في شرحه على
النهج ص 69 ج 1 : حدثني شيخي أبو الخير مصدق بن شبيب الواسطي في سنة " 603 "
قال : قرأت على الشيخ أبي محمد بن عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشاب هذه الخطبة .
إلى أن قال : فقلت له : أتقول إنها منحولة ؟ فقال : لا والله ، وإني لأعلم : صدورها
منه كما أعلم : أنك " مصدق " قال : فقلت له : إن كثيرا من الناس يقولون : إنها من
كلام الرضي رحمة الله تعالى فقال : أنى للرضي ولغير الرضي هذا النفس وهذا الأسلوب ؟
قد وقفنا على رسائل الرضي وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور ، وما يقع مع هذا
الكلام في " خل ولا خمر "
ثم قال : والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنفت قبل أن يخلق الرضي
بمائتي سنة ، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها ، وأعرف من هو من العلماء وأهل
الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد ولد الرضي قلت : وقد وجدت أنا كثيرا من هذه
الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديين من المعتزلة ، وكان في دولة
المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدة طويلة ، ووجدت أيضا كثيرا منها في كتاب أبي جعفر
ابن قبة أحد متكلمي الإمامية ، وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب " الإنصاف "
وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي رحمه الله تعالى ، ومات في ذلك
العصر قبل أن يكون الرضي رحمه الله تعالى موجودا .