من الرحى ( 1 ) ينحدر عني السيل ، ولا يرقى إلى الطير ، فسدلت ودونها ثوبا ( 2 )
وطويت عنها كشحا ( 3 ) وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية
عمياء ( 4 ) ، يشيب فيها الصغير ، ويهرم فيها الكبير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى
ربه ( 5 ) ، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى ( 6 ) ، فصبرت وفي العين قذى ،
هامش
( 1 ) قطب الرحا مسمارها الذي عليه تدور فكما أن الرحى لا تدور إلا على القطب
وبغيره لا يستقيم لها دوران ، فكذلك الخلافة محله منها محل القطب من الرحى : لا تستقيم
حركتها ولا تأخذ استقامتها بغيره وهو وحده القادر على تدبير شؤونها وإدارتها حسب
المصلحة العامة ووفق الخطة الإلهية الحكيمة .
( 2 ) سدلت : أرخيت . كناية عن إعراضه عنها ، واحتجابه عن طلبها .
( 3 ) الكشح : ما بين الخاصرة والجنب . أنزل الخلافة منزلة المأكول الذي منع
نفسه عنه ، فلم يشتمل عليه كشحه .
( 4 ) طفقت : جعلت ، وأخذت ، وشرعت ، وأرتأي أفكر طلبا للرأي الصائب
وصال : حمل نفسه على الأمر بقوة . والطخية : قطعة من الغيم .
أي : جعلت أدير الفكر وأجيله في أمر الخلافة ، وأردده في طرفي نقيض إما أن
أشهر السيف وأصول على الغاصبين للخلافة ، والمعتدين على حقي ، أو أترك وأصبر ، وفي
كلا الحالين خطر فإما القيام والثورة فبيد مقطوعة من غير ناصر ولا معين ، وإما الثاني
فلما يؤول إليه الحال : من اختلاط الأمور ، وعدم انتظام الحياة ، والتمييز بين الحق
والباطل ، فكما أن الظلمة والعمى لا يهتدي معهما للتمييز بين الأشياء ، فكذلك اضطراب
الهيئة الاجتماعية ، وتشابك المشاكل وازدحامها لا يهتدي معه لوجه الحق .
( 5 ) الهرم : شدة كبر السن . والكدح : سعي المجهود
وتلك الشدة ، وذلك الاضطراب ، وهاتيك الأحوال المظلمة وطول مدتها أدت إلى
أن : يهرم فيها الكبير ، ويشيب الصغير ، ويتعب المؤمن في تمييز الحقائق وتمحيصها
وما يبذله من جهد في سبيل الدفاع عن الحق حتى يلقى ربه .
( 6 ) هاتا : هذه وأحجى أقرب للحجى وهو العقل .
فرأيت الصبر على هذه الحال وترك المقاومة أقرب للعقل ، وألصق بنظام الإسلام
وأحفظ لبيضته سيما وهو بعد غض لم ترسخ له قدم في نفوس أتباعه ، والثورة في هذه
الحال ربما تؤدي إلى خلاف الغرض ، وتعكس النتيجة ، وتكون سببا للردة ، والرجوع
عن الدين ، فترك المقاومة أحجى وأضمن لسلامة الإسلام ، وتحمل الشر الحادث من
جراء ذلك أهون .