وإمام أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه ، والله لوددت أن معاوية صارفني بكم صرف
الدينار بالدرهم ، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني واحدا منهم ، والله لوددت أني
لم أعرفكم ، ولم تعرفوني ، فإنها معرفة جرت ندما لقد ورثتم صدري غيظا ،
وأفسدتم علي أمري بالخذلان والعصيان ، حتى لقد قالت قريش إن عليا رجل
شجاع لكن لا علم له بالحروب ، لله درهم هل كان فيهم أحد أطول لها مراسا مني
وأشد بها مقاساة ( 1 ) لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، ثم هاأنا ذا قد ذرفت
على الستين ، لكن لا أمر لمن لا يطاع ، أما والله لوددت أن ربي قد أخرجني من
بين أظهركم إلى رضوانه ، وإن المنية لترصدني فما يمنع أشقاها أن يخضبها ؟ - وترك
يده على رأسه ولحيته - عهدا عهده إلي النبي الأمي وقد خاب من افترى ، ونجا
من اتقى وصدق بالحسنى .
يا أهل الكوفة قد دعوتكم إلى جهاد هؤلاء ليلا ونهارا ، وسرا وإعلانا ، وقلت
لكم اغزوهم فإنه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا ، فتواكلتم ( 2 ) وتخاذلتم
وثقل عليكم قولي ، واستصعب عليكم أمري ، واتخذتموه ورائكم ظهريا ، حتى
شنت عليكم الغارات ، وظهرت فيكم الفواحش والمنكرات ، تمسيكم وتصبحكم ،
كما فعل بأهل المثلات من قبلكم ، حيث أخبر الله عز وجل عن الجبابرة العتاة
الطغاة ، المستصعفين الغوات ، في قوله تعالى : " يذبحون أبنائكم ويستحيون نسائكم
وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ( 3 ) " أما والذي فلق الحبة وبرئ النسمة لقد
حل بكم الذي توعدون .
عاتبتكم يا أهل الكوفة بمواعظ القرآن فلم أنتفع بكم ، وأدبتكم بالدرة فلم
تستقيموا لي ، وعاقبتكم بالسوط الذي يقام به الحدود فلم ترعووا ، ولقد علمت أن
هامش
( 1 ) أي : أطول ممارسة وأشد معالجة .
( 2 ) أي أحال كل منكم الأمر إلى صاحبه ووكله إليه ولم يتوله أحد منكم .
( 3 ) البقرة : 49 .