كيف يشاء من جانب آخر وهو يعلم بدهائه ، ويعمل لبقائه ، فيصير المخالف موافقا ،
وإن لم يكن في الواقع إلا منافقا .
وأما الفرقة الثانية وهم أصحاب علي ( ع ) العارفون بشأنه ، المحبون له لعلو
مقامه ، ورفعة مكانه ، وكثرة فضائله ، الذين آمنوا بكلام النبي ( ص ) : " علي
مع الحق والحق معه يدور أينما دار " .
وسمعوا منه ( ص ) ، أو ممن سمع منه ( ص ) ، ما قال في شأن علي كقوله :
" من أحب عليا في محياه ومماته كتب الله له الأمن والأمان " 1 .
وكقوله : " لا يحب عليا منافق ولا يبغضه مؤمن "
وقوله : " علي مني كنفسي ، طاعتي ومعصيته معصيتي "
إلى غير ذلك مما ورد عن الرسول ( ص ) في حقه ( وستمر عليك نبذة منها في الكتاب
منقولة عن الكتب المعتبرة لأهل السنة ، مسندة ) .
فالداء في هذه الفرقة على إعضال ، والأمر معهم مشكل غاية الإشكال ، لأنهم
لا يبيعون الدين بالدنيا ، ولا يشرون أنفسهم المطمئنة بالإيمان ، وقلوبهم الممتلئة من
حب يورث الأمن والأمان ، بتلك الأثمان وتلك الدرجات السفلى .
شرع معاوية بتصفية مملكته ممن خالفه ، فاشترى من الفرقة الأولى بالمال والعمل
( الإمارة والرئاسة ) أنفسهم واستراحت نفسه بهذه السياسة . وأما الفرقة الثانية ، وهم
محبوا علي ، ومفدوه بأنفسهم ، ومبغضو معاوية وسلطنته الباغية العاتية ، فعزم
على أن يفنيهم ويستأصلهم ، فصمد للمخالف من هذه الفرقة نحو عنوان " شيعة علي "
واستغله لمقصوده ، فأمر عماله في جميع البلاد أن يضيقوا على من يتسم ، أو يتهم ،
بالتشيع ، ويعذبوهم بالحبس ، والزجر ، والقتل ، ويمتحنوهم بالبراءة عن علي ( ع )
وعن حبه ويحملوهم على لعنه وسبه ! والويل ثم الويل لمن استنكف وأبى ، واستعاذ
بربه ووفى .
هامش
1 - وفي المحكى عن كتاب فضائل علي للإمام أحمد بن حنبل " . . . أن السعيد
كل السعيد ، حق السعيد ، من أحب عليا في حياته وبعد موته "