في ما يصح الاستناد به في ما لم يوجد فيه نص في الكتاب ولا في السنة ، وهذا الاختلاف
ليس مخصوصا بأحد الفريقين بل المذاهب كلها فيه سواسية . والإجماع ، وسيرة أهل -
المدينة ( على رأي الإمام مالك ) والعقل والقياس ، والاستحسان ، والمصالح المراسلة
وإن كان لكل قائل بصحة الاستناد في مذهب ولكنه ليس الكل مورد الإنفاق للكل
بل وحتى ما يكون حجيته منسوبة إلى مذهب ليست حجيته مجمعا عليها في ذاك -
المذهب ، وعى أي حال لكل مذهب حجة على ما اختار وإليه ذهب .
وهيهنا اختلاف آخر ليس هو أيضا مخصوص بمذهب دون مذهب وهو في
ما به يتحقق اعتبار السنة من حيث السند .
فالشيعة تعتبرها إذا كان الإسناد فيها عن
عدول ينتهي إلى أهل البيت وعترة الرسول ( المعهودين ) ومنهم إلى جدهم ، أو كان عن
عدول ينتهي إلى أحد من الصحابة الذين ثبتت عندها عدالتهم ، وغير الشيعة لا يلتزمون
بذلك بل قل ما أن يستندوا بحديث كان بذاك الإسناد ، بل قد يعبرون لإثبات ضعف
حديث عن طريق ولطرحه وجرحه بأن " فيه فلان وهو رافضي - أو شيعي - ! " أو
" رافضي خبيث ! " أو " رافضي كاذب " أو " شيعي لا يعبأ بقوله ! " وأحسن تعبيرهم
في المقام " إنه متهم " أو " متهم بالرفض - أو التشيع " والعجيب المؤسف إنه قد يصرحون
بكون رجل من الشيعة " موصوفا بكثرة العبادة " أو " غير كاذب " أو " موثقا عند يحيى
بن معين " ( وهو أحد الخراريت عندهم ، كالإمام بن حنبل ) ومع ذلك لا يعتبرون قوله
( مع اعتبارهم قول الخوارج ، باستناد عدم كذبهم ! " ) 1
هامش
1 - ويكفي للأنموذج والمثل أن تنظر إلى ما أورده العالم المفضال ، السبكي في
كتابه " طبقات الشافعية " وترى التعصب في ما قال . قال بإسناده عن أبي الصلت ، عبد السلام
بن صالح الهروي أنه قال : " حدثنا علي بن موسى ، الرضا ، بن جعفر بن محمد بن علي -
بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم ، عن علي أنه قال : قال الرسول الله ( ص ) :
" الإيمان معرفة بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالأركان "
ثم قال السبكي : إن مدار هذا الحديث علي بن أبي الصلت ، وهو ، وإن كان موصوفا
بكثرة العبادة ، غير محتج به عند المحدثين ! قال الدارقطني :
" رافضي خبيث ، متهم بوضع
حديث الإيمان " وقال العقيلي : " رافضي خبيث " وقال أبو حاتم : " لم يكن عندي بصدوق "
وقال ابن عدي : " متهم " وقال النسائي : " ليس بثقة " ومع هذا الجرح لا يعتبر قول عباس -
الدوري : " إن يحيى كان يوثقه " ! ولا قول ابن محرز : " إنه ليس ممن يكذب " !
وأبو الصلت هذا هو الذي حدث عنه أبو نعيم الأصفهاني في " الحلية " بإسناده عن
" أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي حدثنا علي بن موسى ، الرضا ، حدثني أبي ،
موسى بن جعفر ، حدثني أبي ، جعفر بن محمد ، حدثني أبي ، محمد بن علي ، حدثني
أبي ، علي بن الحسين بن علي ، حدثني أبي ، علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنهم
حدثنا رسول الله ( ص ) عن جبريل عليه السلام قال : قال الله عز وجل : إني أنا الله لا إله إلا
أنا فاعبدوني ، من جائني منكم بشهادة أن لا إله إلا الله بالإخلاص دخل في حصني ومن
دخل في حصني أمن من عذابي " .
ثم قال أبو نعيم : " هذا حديث ثابت مشهور بهذا الإسناد من رواية الطاهرين عن
آبائهم الطيبين . وكان بعض سلفنا من الحدثين إذا روى هذا الإسناد ، قال : " لو قرئ
هذا الإسناد على مجنون لأفاق " فانظر ما أورده أبو نعيم ووازنه مع ما أورده السبكي تعرف
ما تفعل العصبية . ( المجلد الثالث - الصفحة ال 92 - )