وقال أيضا في ذاك الموضع من شرحه ، بالإسناد عن مسيب بن نجية أنه قال :
بينا علي يخطب ذا قام أعرابي فصاح : وامظلمتاه ! فاستدناه علي . فلما دنا قال
له : إنما لك مظلمة واحدة . وأنا قد ظلمت عدد المدر والوبر "
وقال أيضا ، بعد ذاك الكلام ، :
" وفي رواية عباد بن يعقوب : أنه دعاه فقال : ويحك ! وأنا والله مظلوم .
هات فلندع على من ظلمنا "
- 19 -
ولعله ، وانتهى الكلام إلى المظلومية ، كان من المناسب أن نذكر هنا ما اختلفت -
الشيعة وغيرها فيه ، ونشير إلى أن وجه الاختلاف ، عند التأمل والإنصاف ليس بمثابة
يورث هذه العصبية الظالمة من إخوانهم المسلمين ويوجب استحقاق القدح والتوهين
فهم ، في الحقيقة ، مظلومين كما كان كذلك إمامهم علي أمير المؤمنين 1 .
فاعلم أن اختلاف بين الفريقين يؤل إلى موضوعين : الفروع ، والأصول
( على ما تعتقد الشيعة في الإمامة وتقول ) .
فأما الأول ، وهو الاختلاف في بعض الأحكام والفروع :
مما لا ارتياب فيه إنهم وغيرهم متفقون في أن الكتاب ثم السنة المعتبرة
أصلان أساسيان لاستنباط الأحكام ، ويجب على كل مسلم مجتهد أن يستند بهما
في استخراج الوظائف المقررة ، والتكاليف المشروعة ، فيعمل بما ثبت له من الأحكام
بهذا الطريق .
فلزوم الاستناد بهذين الأصلين مجمع عليه بين الفريقين وإنما الاختلاف
هامش
1 - كتب علي في ما كتب إلى معاوية جوابا " وهو من محاسن الكتب " :
" وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت ، وعلى كلهم بغيت ، فإن يكن ذلك كذلك
فليست الجناية عليك فيكون العذر إليك . . .
" وقلت إني كنت أقاد الجمل المخشوش حتى أبايع ، ولعمر الله لقد أردت أن
تذم فمدحت وأن تفضح فافتضحت وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما
ما لم يكن شاكا في دينه ، ولأمر تابا بيقينه ، وهذه حجتي إلى غيرك قصدها . . . "