وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك لأن أبا حنيفة وأصحابه يقولون : يجوز
الاعتكاف في كل مسجد جماعة ( 1 ) ، وبذلك قال الثوري ، وفي إحدى الروايتين
عن مالك . ( 2 )
وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه لا يعتكف أحد إلا في مسجد الجامع
وفي رحاب المساجد التي يجوز الصلاة فيها . ( 3 )
وذهب حذيفة إلى أن الاعتكاف لا يصح إلا في ثلاثة مساجد : المسجد
الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله ومسجد إبراهيم الخليل
عليه السلام . ( 4 )
والحجة لنا مضافا إلى الإجماع طريقة الاحتياط وبراءة الذمة ، لأن من
أوجب على نفسه اعتكافا بنذر يجب أن يتيقن براءة ذمته منه مما وجب عليه ،
ولا يحصل له اليقين إلا بأن يعتكف في المواضع التي عيناها ، ولأن الاعتكاف
حكم شرعي ويرجع في مكانه إلى الشرع ، ولا خلاف في الأمكنة التي
عيناها مشروعة فيه ، ولا دليل على جوازه فيما عداها ،
ولا اعتراض على ما قلناه بقوله تعالى : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في
المساجد ) ( 5 ) لأن هذا اللفظ مجمل ، ولفظ المساجد هاهنا ينبئ عن الجنس لا عن
الاستغراق ، ولا منافاة بينه وبين مذهبنا .
هامش
( 1 ) في " ألف " صلي فيه جماعة .
( 2 ) اللباب ج 1 / 176 الهداية : ج 1 / 132 المبسوط ( للسرخسي ) ج 3 / 115 المدونة الكبرى :
ج 1 / 225 الفتاوى الهندية : ج 1 / 211 المجموع ج 6 / 483 بداية المجتهد : ج 1 / 324 شرح فتح
القدير : ج 2 / 308 عمدة القاري : ج 11 / 142 المغني ( لابن قدامة ) : ج 3 / 121 و 124 .
( 3 ) بداية المجتهد : ج 1 / 324 اختلاف العلماء : ص 76 ، عمدة القاري ج 11 / 142 .
( 4 ) المحلى : ج 5 / 194 ، بداية المجتهد : ج 1 / 324 المجموع : ج 6 / 483 المغني ( لابن قدامة ) : ج 3 / 124 ،
شرح فتح القدير : ج 2 / 308 عمدة القاري : ج 11 / 141 ، المبسوط ( للسرخسي ) : ج 3 / 115 .
( 5 ) سورة البقرة : الآية 187 .