" أقول : كأن الوزير فخر الملك لم يتحقق علو الهمة ، فلذا عاب الأمر على الشريف
المرتضى - رضي الله عنه - وإنما كان عليه غضاضة في ذلك الكتاب ( يعني الكتاب
الذي بعثه المرتضى إلى الوزير يسأله تخفيف الضريبة وإسقاطها ) ، لو كان سائلا لها من
أموال الوزير ، وما فعله الشريف عند التحقيق من علو الهمة : وذلك أنه دفع عن ملكه
بدعة لو لم يتداركها لبقيت على ملكه ، وربما وضعت من قدره لو بقيت عند أهل
الأملاك وغيرهم ، كما أنه ورد في الحديث : المؤمن ينبغي له الحرص على حيازة
( لعلها حياطة ) ماله الحلال ، كي ينفقه في سبيل الطاعات .
كما كانت عادة جده أبي طالب بن عبد المطلب ، فإنه كان يباشر جبر ما انكسر
من مواشيه وأنعامه ، فإذا جاء الوافد إليه وهبها مع رعاتها له .
وقد نقل عن الشريف - عطر الله مرقده - أنه اشترى كتبا قيمتها عشرة آلاف دينار
أو أزيد ، فلما حملت إليه وتصفحها رأى في ظهر كتاب منها مكتوبا :
وقد تخرج الحاجات يا أم مالك * إلى بيع أوراق بهن ضنين ( 1 )
فأمر بإرجاعها إلى صاحبها ووهبه الثمن .
فأين همته هذه من الوزير الذي حمل إلى الرضي ألف دينار واستغنم ردها إليه ؟ "
إنتهى قول السيد نعمة الله - رحمه الله - .
فأما إعظام الوزير للشريف الرضي وتبجيله له أكثر من أخيه المرتضى ، فواضح
لكل من وقف على سيرة الشريفين ، وعرف نفسية كل من الشخصين وسلوكهما
ونزوعهما في الحياة .
فالشريف كان ولا ريب ينزع إلى الخلافة ويمني نفسه بها ، بل كان يترقبها صباحا
ومساء ، وكان يعتقد أنه سينالها ما بقي له جنان يخفق أو لسان ينطق بعد أمد قصير
أو طويل .
هامش
( 1 ) هكذا ورد البيت في روضات الجنات ص 577 وهو ضعيف ركيك سبق أن أوردنا أصله
وهو مضمن في أبيات أبي علي أحمد بن سلك الفالي مع قصته في هذه المقدمة ، ولعل هذه الرواية غير
تلك ، أو أن إحداهما منسوبة إليه ، والغرض ثبوت إحداهما له .