ولم يكن الشريف الرضي وحده معللا نفسه بهذه الآمال الجسام ، وممنيها تلك
الأمنيات العظام ، بل نجد المخلصين له من أحبائه وأصحابه يتفرسون بن نيل تلك
الرتب ، والوصول إلى ذلك المرام ولو بعد حين ، لذلك كتب إليه أبو إسحاق الصابي في
هذا المعنى : أبا حسن لي في الرجال فراسة * تعودت منها أن تقول فتصدقا
وقد خبرتني عنك أنك ماجد * سترقى إلى العلياء أبعد مرتقى
فوفيتك التعظيم قبل أوانه * وقلت ، أطال الله للسيد البقا
وأضمرت منه لفظة لم أبح بها * إلى أن أرى إظهارها لي مطلقا
فإن عشت أو إن مت فأذكر بشارتي * وأوجب بها حقا عليك محققا
وكن لي في الأولاد والأهل حافظا * إذا ما اطمأن الجنب في موضع النقا
ثم نرى الشريف يعد الصابي ببلوغ الآمال ، إن ساعد الدهر ( 1 ) بقصيدة أيضا
مذكورة في ديوانه ، وأولها :
سننت لهذا الرمح غربا مذلقا * وأجريت في ذا الهندواني رونقا
ونظم الشريف في هذا المعنى والغرض كثير يزخر به ديوانه الضخم .
فالشريف الرضي مع هذه الهمة العالية ، والنفس الطامحة ، والأنف الحمي ،
والقلب الجرئ واللسان المصلت كالسيف الصارم ، كان في الحقيقة شبحا مخيفا ، بل
قنبلة مرصدة إزاء كيان ملك بني العباس لا يدرون متى تنفجر فتزعزع سلطانهم ،
وتعصف بدولتهم لذا يقول :
متى أرى الزوراء مرتجة * تمطر بالبيض الظبا أو تراح
يصيح فيها الموت عن ألسن * عن العوالي والمواضي فصاح
فمن أجل ذلك نرى الوزراء والملوك ، بل الخلفاء أنفسهم ، يدارونه ، مداراة من
هامش
( 1 ) راجع شرح النهج لابن أبي الحديد ط . مصر 1 / 11 - 12 وقد جاء في ديوان الشريف الرضي
1 / 417 . وفي عمدة الطالب طبع بمبي سنة 1318 ه ص 174 أنه كان الرضي يرشح إلى الخلافة ، وكان
أبو إسحاق الصابي يطمعه فيها ويزعم أن طالعه يدل على ذلك .