فنحن نقف إزاء هذه الرواية المضطربة في متنها وسندها موقف الارتياب
والاستغراب ، فبينما نجد ابن أبي الحديد يسندها لأبي حامد الأسفراييني مع الوزير محمد
ابن خلف ، نجد رواية ابن مهنا صاحب العمدة مسندة إلى أبي إسحاق الصابي مع
الوزير المهلبي مع فروق في المتن كما أسلفنا .
فإذا علمنا أن الوزير المهلبي أبا أحمد الحسن بن محمد بن هارون - وزير معز الدولة
البويهي - قد توفي سنة 352 ه وهاتيك السنة هي قبل مولد المرتضى بثلاث سنين
حيث كان مولده - رحمه الله - سنة 355 ه ، هان علينا تفنيد الرواية بداهة .
زيادة على ذلك أن الرواية الأولى تجعل الداخل الأول على الوزير هو الشريف
الرضي بينما الرواية الثانية تجعله المرتضى .
هذا ما يشير إما إلى اختلاق الرواية ووضعها من الأساس ، أو إلى تحريفها أو المبالغة
فيها على أقرب الاحتمالات لما سنوضحه قريبا .
فالمرتضى في سعة عن التوسل بهذه الوسائل الركيكة التي لا تناسب منزلته ومقامه
لدى الوزير ولدى الخلفاء أنفسهم لرفع هذه الضريبة اليسيرة ، وذلك لما رزق من عزة
في النفس وحظ وافر من الجاه زيادة على النعمة والثراء المصحوب بالبذل والسخاء
الذي دلتنا عليه سيرته الحميدة وكرمه المعروف وبذله الفذ ، حتى ليم على كثرة الإنفاق
والعطاء مرارا ، فقال في ذلك مجيبا لهم قصائد مذكورة في هذا الديوان نذكر منها على
سبيل الشاهد قوله من قصيدة حسنة :
دعي منظري إن لم أكن لك رائعا * ولا تنظري إلا إلى حسن مخبري
فإني وخير القول ما كان صادقا * لدي الفخر سباق إلى كل مفخر
منها : وأعلم أن الدهر يعبث صرفه * بما شاء من مال البخيل المقتر
منها : عذلت على تبذير مالي وهل ترى * نجمع إلا للجؤور المبذر ؟
أفرقه من قبل أن حال دونه * رحيلي عنه بالحمام المقدر
مضى قيصر من بعد كسرى وخليا * التلاعب في أموال كسرى وقيصر
وغير ذلك مما سيأتي ذكره .
وقد استفاض عنه إنفاقه على مدرسته العلمية التي تعهد بكفاية طلابها مؤونة
الانتصار — صفحة 15
مساهمون: الشريف المرتضى
ص١٥