والذين آمنوا سيعرضون على الله فيحاسبهم ، ولا يملك أحد أن يحاسبهم
سواه . . . ثم قال لهم : ( ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون )
أي من يمنعه من عذاب الله إن طردهم من عنده ، أفلا يتذكرون أن هذا العمل إذا
تم يكون ظلما ؟ والله تعالى ينتصر للمظلوم من الظالم وينتقم منه ، والعقل جازم
بأن الله سبحانه لا يساوي بين الظالم والمظلوم ، ولا يدع الظالم يظلم دون أن
يجازيه على ظلمه بما يسوءه ويشفي به غليل صدر المظلوم والله عزيز ذو
انتقام ( 41 ) .
لكن القوم لا يفقهون قولا ، فدستور التحقير الذي وضع الشيطان أصوله
جرى في عروقهم مجرى الدم ، فهم قادة عالم اللعب واللهو والزينة وهم أساتذة
في التفاخر ، فإذا جاءهم منهج من غيرهم واتبعه عمالهم كان في ذلك شقاؤهم .
لهذا وقفوا منذ البداية في موقف الصد عن سبيل الله ، وتبني الأشراف ثقافة تشربها
العامة والغوغاء بسهولة ، ثقافة تقول لهم : لا تضيعوا وقتكم أمام دعوة لا طائل من
ورائها ! ثقافة تحرك لسانها بكلمات عذبة تضمر خدعا معسولة خدع معسولة تلفها
أحابيل ماكرة . أحابيل ماكرة ما إن تسمعها آذان الغوغاء حتى تحتضنهما قلوبهم
وتدافع عنها سواعدهم ، وكفى بالسواعد أن تدافع عن نظام الملأ ! ذلك النظام
الذي يهدده أراذل إخساء على رأسهم بشر يدعي أنه يوحى إليه . ويطالب القوم
باتباعه وطاعته ، وهو - أي الرسول - وهم - أي الأراذل - لا يملكون لعبا ولا لهوا
ولا زينة . والخلاصة أن فقه التحقير والانتقاص الذي وضعه الشيطان ورعاه كفار
قوم نوح في بداية الطريق . كان بجميع المقاييس كارثة على المسيرة البشرية فيما
بعد لأنه كان عمود عتيق على طريق الانحراف والصد عن سبيل الله .
* ثالثا : دفع الصد والتحقير :
لقد تقدم نوح عليه السلام برسالته التي بعثه الله تعالى بها إلى قومه ، وكانت
الرسالة في مجملها إنذار : أن لا يعبدوا إلا الله لأنه يخاف عليهم عذاب يوم
أليم ، وعندما تقدم عليه السلام برسالته إلى قومه صدوه بردود ثلاثة :
الأول : قولهم : ( ما نراك إلا بشر مثلنا ) .
هامش
( 41 ) الميزان : 208 / 10 .