لم تكن ملامح الفطام على جذوع النخل فقط حيث صلب السحرة ، ولم
تكن في بيوت ضعفاء قوم موسى ، وإنما كانت ملامحه أيضا داخل القصر
الفرعوني نفسه ، فالسيدة آسية زوجة فرعون لم تنج من البطش لأنها آمنت برسالة
موسى عليه السلام ، وهي التي كانت تتعهده عندما كان صغيرا في بيت فرعون ،
يقول تعالى : ( وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي
عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ) ( 143 )
قال المفسرون : قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة : الجمع بين كون البيت
المبني لها عند الله في الجنة . لكون الجنة دار القرب من الله وجوار رب
العالمين . فقد اختارت جوار ربها والقرب منه ، على أن تكون أنيسة فرعون
وملكة مصر ، وآثرت بيتا يبنيه لها ربها على بيت فرعون ، الذي فيه مما تشتهيه
الأنفس وتتمناه القلوب . لقد عزفت نفسها عما هي فيه من زينة الحياة الدنيا ،
وهي لها خاضعة ، وتعلقت بما عند ربها من الكرامة والزلفى ، فآمنت بالغيب ،
واستقامت على إيمانها حتى لقت ربها شهيدة . وقولها : ونجني من فرعون
وعمله ، سؤال أن ينجيها الله من شخص فرعون ، ومن عمله الذي يدعو ضرورة
المصاحبة والمعاشرة . لقد استغاثت بالله من مجتمعها الخاص . وقولها : ونجني
من القوم الظالمين - وهم قوم فرعون - كان استغاثة بالله أن ينجيها من المجتمع
العام - لقد رفضت آسية الخاص والعام ، وطلبت القرب والجوار فجمعت بين
الكرامتين .
قتلها فرعون بعد خزيه في يوم الزينة ، عندما علم بإيمانها برسالة موسى
عليه السلام كما قتل الماشطة وأولادها وكانت الماشطة تقوم بخدمة بنات فرعون ،
قتلها ومعها أولادها عندما علم أنها رفضته ورفضت شذوذ آبائه ، لقد تتبع فرعون
كل طاقة تحمل نور الإيمان وأجرى فيها الدماء . كان أطفال المؤمنين في الماء
المغلي ، ثم يقطع أطراف الآباء بين ضحكات الملأ وهتاف الجماهير . لقد كانوا
يظنون أنهم يبلغون مع كل قتيل يقتلونه القمة ! وأن الأطراف المقطوعة والأجساد
المعلقة على جذوع النخل بطوله لا تحتاج دليل .
هامش
( 143 ) سورة التحريم ، الآية : 11 .