الوادي وكأنه ملآن بالحيات يركب بعضها بعضا ، وعندما ألقى موسى عليه السلام
بعصاه ، صارت تنينا عظيما هائلا ذا قوائم وعنق ورأس وأضراس ، فجعلت تتبع
تلك الحبال والعصي ، حتى لم تبق منها شيئا إلا تلقفته ، والسحرة والناس
ينظرون إلى ذلك عيانا جهرة نهارا ضحوة ، فقامت المعجزة واتضح البرهان ( 132 )
يقول تعالى : ( وأوحينا إلى موسى أن الق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون *
فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون * فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين * وألقي
السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون ) ( 133 )
قال المفسرون : السحرة هم الذين ألقوا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين ،
وذلك إشارة إلى كمال تأثير آية موسى فيهم وإدهاشها إياهم ، فلم يشعروا بأنفسهم
حينما شاهدوا عظمة الآية وظهورها عليهم ، إلا وهم ملقون ساجدون . . .
فاضطرتهم الآية إلى الخرور على الأرض ساجدين ، والإيمان برب العالمين
الذي اتخذه موسى وهارون . وفي ذكر موسى وهارون دلالة على الإيمان بهما مع
الإيمان برب العالمين . كما أن بيانهم رب العالمين برب موسى وهارون إشارة
إلى رفضهم لعقيدة ( رع ) رب العالمين الذي تجري دماؤه في عروق الدجاجلة
الكبار والصغار ، وعلى رأسهم الفرعون المتكبر المسرف العالي في الأرض . وما
إن أع لن السحرة ذلك ، حتى هاج فرعون ، وبدأ يلقي بالاتهامات ( قال آمنتم له
قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ) ( 134 ) ! قوله إنه لكبيركم
ورقة سياسية يريد بها تهييج العامة عليهم ، فهو يريد أن يقول : إنهم تواطأوا مع
رئيسهم عند المنازلة فتخاذلوا وانهزموا وآمنوا لتتبعهم العامة وتذهب الطريقة
المثلى ! ولهذا قال في موضع آخر : ( قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن
هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون ) ( 135 ) !
وبدأ فرعون يحدد العقاب ، فقال للسحرة : ( فلأقطعن أيديكم وأرجلكم
هامش
( 132 ) ابن كثير : 158 / 3 .
( 133 ) سورة الأعراف ، الآيات : 122 .
( 134 ) سورة طه ، الآية : 71 .
( 135 ) سورة الأعراف ، الآية : 123 .