يخافون الملأ والأشراف من بني إسرائيل . فإن الأشراف في بني إسرائيل ربما
كانوا يمنعونهم لعدم إيمانهم أنفسهم ، أو تظاهروا بذلك ليرضوا به فرعون
وقومه ( 146 ) .
وخلاصة ما نريد أن نقوله : إن الضعفاء كانوا يخافون من الداخل ومن
الخارج ، ففي الداخل يوجد أصحاب المصالح الذين يضحون بأي شئ في
سبيلها ، وفي الخارج فرعون وهامان وجنودها . أما فرعون فهو عال في الأرض لا
يعدل فيما يحكم ويتفنن في التعذيب والقتل ، وأما هامان فبقاؤه في بقاء فرعون
وأما الجنود فغوغاء أتباع لكل ناعق ، لقد كان الضعفاء يخافون على دينهم الذي
يدفعون من أجله أبناءهم . من الذين يخافون على دنياهم ولا يتحرجون في فعل
أي شئ من أجل الحفاظ إما على المصلحة وإما على الكرسي . إن عالم الخوف
هذا الذي وضع قيوده وأسواره حول الفطرة . يعود إلى النظام الذي أقامه فرعون ،
فنظام فرعون هو أخطر النظم على الفطرة ، لأنه محمل بالذهب وغني بالمصالح
ومسلح بالبطش ويسهر عليه فقهاء فرق وشيع كل منهم يقدم هوى ، وجميع
الأهواء تصب في النهاية عند ابن آمون وفي عالم الخوف هذا يقول تعالى : ( قال
موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة
للمتقين ) ( 147 ) قال المفسرون : لقد استنهضهم للاستعانة بالله والصبر على .
الشدائد ، لأن الأرض يورثها من يشاء ، وفرعون لا يملك الأرض حتى يمنحها
من يشاء ، ويمنع من التمتع بها من يشاء . وقد جرت السنة الإلهية أن يخص الله
من يتقيه من عباده بحسن العاقبة ، والله تعالى نظم الكون نظما يؤدي كل نوع إلى
غاية وجوده وسعادته التي خلق لأجلها ، فإن جرى على صراطه الذي ركب عليه ،
ولم يخرج عن خط سيره الذي خط له ، بلغ سعادته لا محالة ، والإنسان الذي هو
أحد هذه الأنواع أيضا حاله هذا الحال ، إن جرى على صراطه الذي رسمته له
الفطرة ، واتقى الخروج عنه والتعدي منه إلى غير سبيل الله ، هداه الله إلى عاقبته
الحسنة ، وأحياه الحياة الطيبة ، وأرشده إلى كل خير يبتغيه .
إن فرعون لا يملك الأرض ، وإنما يمتلك أجسادا في سجون أهوائه ،
هامش
( 146 ) الميزان : 113 / 10 .
( 147 ) سورة الأعراف ، الآية : 128 .