1 - الخوف :
في عالم ما أريكم إلا ما أرى ترتجف الفطرة ويعم الخوف ! وفي عالم
فرعون خاف الكل من الكل ! وكان مجرد ذكر اسم موسى جريمة في قانون فرعون
وبهذا صد فرعون عن سبيل الله . يقول تعالى : ( فما آمن لموسى إلا ذرية من
قومه على خوف من فرعون وملإيهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه
لمن المسرفين * وقال موسى يا قوم إن كنتم أمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم
مسلمين * فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين * ونجنا
برحمتك من القوم الكافرين ) ( 144 ) قال المفسرون : قال البعض إن الضمير في
قومه راجع إلى فرعون والذرية التي آمنت من قوم فرعون ، وقال آخرون ومنهم ابن
جرير : إن الضمير لموسى والمراد بالذرية جماعة من بني إسرائيل لا من قوم
فرعون ( 145 ) . وذهب صاحب الميزان مع ابن جرير فيما قال . وقال : والذي
يفيده السياق - وهو الظاهر من الآية - ، أن يكون الضمير راجعا إلى موسى ،
والمراد بالذرية من قوم موسى . بعض الضعفاء من بني إسرائيل دون ملئهم
الأشراف الأقوياء ، والاعتبار يساعد على ذلك ، فإن بني إسرائيل كانوا محكومين
بحكم آل فرعون ، والعادة الجارية في أمثال هذه الموارد ، أن يتوسل الأقوياء
والأشراف بأي وسيلة أمكنت ، إلى حفظ مكانتهم الاجتماعية وجاههم القومي
- كقارون مثلا - ويتقربوا إلى الجبار المسيطر عليهم بإرضائه بالمال والتظاهر
بالخدمة والتجنب عما لا يرتضيه ، فلم يكن في وسع الملأ من بني إسرائيل ، أن
يعلنوا موافقة موسى على دعوته وأن يتظاهروا بالإيمان به ، وقصص بني إسرائيل
في القرآن أعدل شاهد على أن كثيرا من عتاة بني إسرائيل ومستكبريهم لم يؤمنوا
بموسى إلى أواخر عهده ، وإن كانوا يسلمون له ويطيعونه في عامة أوامره التي كان
يصدرها لبذل المساعي في سبيل نجاة بني إسرائيل . لما كان فيها صلاح قوميتهم
وحرية شعبهم ومنافع أشخاصهم ، فالإطاعة في هذه الأمور شئ والإيمان بالله وما
جاء به الرسول شئ آخر ، ويستقيم على هذا المعنى قوله : ( وملإيهم ) بأن
يكون الضمير إلى الذرية . ويفيد النص أن الذرية الضعفاء كانوا في إيمانهم
هامش
( 144 ) سورة يونس ، الآيات : 83 - 86 .
( 145 ) ابن كثير : 427 / 2 .